.. وجاءكم المطهر..” فهل من مجيب.. ؟!”

مع حلول شهر رمضان، بما يحمله من رمزية روحية عميقة في الوجدان المغربي، تتجدد انتظارات المجتمع من الفاعل العمومي، ليس فقط على مستوى التدبير اليومي لقضايا المواطنين، بل كذلك في ما يتصل بجودة الخطاب السياسي وأخلاقيات تحمل المسؤولية. فالشهر الفضيل، باعتباره محطة للتأمل والمراجعة، يتحول في السياق العام إلى مرآة تعكس حجم التباين أحياناً بين الشعارات المعلنة والنتائج الملموسة، خاصة عندما تتقاطع ملفات اجتماعية واقتصادية حساسة مع نقاش عمومي محتدم.

خلال السنوات الأخيرة، برزت في التداول السياسي والإعلامي مصطلحات شعبية من قبيل “الفراقشية”، اختزلت في المخيال الجماعي كل شبهة احتكار أو استفادة غير مشروعة من ظرفيات معينة. ورغم الطابع التبسيطي لهذا التوصيف، فإنه يعكس أزمة ثقة حقيقية بين جزء من الرأي العام وبعض مكونات النخبة السياسية، لا سيما حين ترتبط القرارات العمومية بقطاعات حيوية كالماء والدواء واستيراد الماشية، وما يرافقها من جدل اجتماعي يتجدد في مواسم ذات حمولة رمزية خاصة. فعندما يشعر المواطن بأن اختلالات السوق أو سوء التقدير أثرت بشكل مباشر على قدرته الشرائية أو على ممارساته الاجتماعية، ينتقل النقاش من بعده التقني إلى مستوى رمزي يمس جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع.

كما أن توالي الأزمات القطاعية، سواء في مجالات العدالة أو الصحافة أو التعليم أو الصحة، أبرز محدودية بعض المقاربات في تدبير الإصلاحات، حين يغلب منطق التوتر على منطق الشراكة والتوافق. فالتجاذبات التي رافقت مشروع قانون المحاماة، وما نتج عنها من إضرابات وتعطيل لمرافق حيوية، أظهرت أن الإصلاحات الكبرى لا يمكن أن تحقق أهدافها دون إشراك فعلي للهيئات المعنية وقراءة دقيقة لتوازنات الحقل المؤسساتي. وعندما يُضطر رئيس الحكومة إلى التدخل لاحتواء أزمة بعد تفاقمها، فإن ذلك يعكس مركزية القرار، لكنه يطرح أيضاً تساؤلات حول نجاعة آليات التنسيق داخل الفريق الحكومي.

وفي ما يتعلق بقطاع الصحافة، عرف المشهد بدوره توتراً لافتاً بعد انتهاء ولاية المجلس الوطني للصحافة وإحداث لجنة مؤقتة بدل تنظيم انتخابات جديدة كما جرت العادة داخل الهيئات المهنية المستقلة. ومع انتهاء مدة هذه اللجنة في أكتوبر الماضي، وتعثر مسار إخراج مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس بعد إحالته من المحكمة الدستورية لإدخال تعديلات على بعض مواده، وجد القطاع نفسه أمام وضعية دقيقة تتسم بفراغ تنظيمي نسبي، من تجلياته تعثر تجديد البطائق المهنية وتعطيل بعض وظائف التنظيم الذاتي. هذا السياق زاد من حدة التوتر داخل الجسم المهني، في ظل مطالب بإخراج نص قانوني توافقي يحترم الدستور ويصون استقلالية المهنة ويعيد للمؤسسة دورها الطبيعي.

وفي هذا الإطار، لا يحمل استحضار القيم الرمضانية بعداً وعظياً بقدر ما يشكل دعوة إلى ترشيد الخطاب السياسي وتغليب منطق المسؤولية على منطق المزايدات، فالصوم، في بعده الأخلاقي، ليس مجرد امتناع عن المفطرات، بل تمرين على ضبط النفس وتجنب اللغو، وهو ما يمكن إسقاطه مجازاً على المجال العمومي عبر الحد من السجالات العقيمة والتركيز على الأولويات الفعلية للمواطنين: تحسين القدرة الشرائية، الارتقاء بجودة الخدمات العمومية، تحقيق الإنصاف المجالي، وصون الاستقرار.

إن المغرب، في محيط إقليمي ودولي متقلب، في حاجة إلى نخب تدرك أن الاستقرار ليس معطى ثابتاً، بل هو نتيجة تراكمات من الثقة والعدالة والإنصات. وتجارب عدد من الدول العربية والإفريقية خلال العقد الأخير تؤكد أن اتساع الفجوة بين الخطاب والواقع قد يتحول إلى مصدر توتر دائم. لذلك فإن الرهان اليوم لا يقتصر على تدبير الأزمات الظرفية، بل يمتد إلى بناء نموذج حكامة يزاوج بين الكفاءة التقنية والحس السياسي، وبين الجرأة في الإصلاح والقدرة على التواصل الصادق.

رمضان، بهذا المعنى، يمكن أن يكون لحظة مراجعة جماعية للسياسات ولأساليب التواصل ولأولويات المرحلة. فالمواطن لم يعد يكتفي بتبريرات ظرفية أو بصراعات جانبية، بل ينتظر نتائج ملموسة تنعكس على معيشه اليومي. وفي زمن تتسارع فيه التحولات بفعل التكنولوجيا والاقتصاد العالمي، لا يصلح إلا منطق “المعقول” القائم على الحكمة والتخطيط والإنجاز، لأن عجلة التاريخ لا تتوقف، ومن يتأخر عن مواكبتها يجد نفسه خارج إيقاعها.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.