عبد العلي جدوبي : يتجدد النقاش حول صناع الانتاجات الدرامية بالتلفزيون المغربي وحول ما يعرض خلال هذه الأيام من رمضان من مسلسلات وسيتكومات ، هي في الحقيقه لا تعكس حيوية المشهد الابداعي ، بقدر ما تكرس أزمة عميقة في الرؤيا والاختيارات .. مسلسلات تثير الغثيان ، أحداث استهلكت كثيرا منذ سنوات انتهت صلاحيتها كمثل باقي السلع الإستهلاكية التي يحاول تجار الخردة ، إعادة عرضها و بيعها بتغيير تواريخها القديمة !
في كل سنة من شهر رمضان تتكرر تلك المشاهد البئيسة ، وفي كل مناسبة ترتفع أصوات المشاهدين عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي منتقدة ومنددة على ما يعرض عليها من ” اعمال” ، هي في الحقيقة ليست في مستوى تطلعاتها !! وكان البرلمان المغربي قد أنجز دراسة في العام 2023 دعا فيها الى ضرورة إعادة النظر فيما يقدم على شاشة التلفزيون المغربي شكلا ومضمونا، ودعا الى التركيز على القيم المحلية للمغاربة ، واستحضار انشغالاتهم واهتماماتهم اليومية ، وتعزيز لقيم التضامن والخصوصيات الاجتماعية بدل حصر تلك الانتاجات في دوائر ضيقة من السذاجه والتسطيح الفكري .. لكن دار لقمان ظلت على حالها ، ولا شيء تغير لا في الشكل وفي ولا في المضمون ، وتغلغلت الميوعة لسنوات طوال وقضت على كل حصون الممانعة ؛ نصوص مفككة ، شخصيات بلا عمق لا تعكس اعمارها للشخصيات التي تتقمصها ،( لاله منانة ـ السعدية أزكون ـ مثلا ، تبدو في المسلسل أصغر بكثير من بناتها !).. الابن يبدو اكبر عمرا بكثير من أبيه (محمد كافي ) في مسلسل آخر ، والأمثلة عديدة في مسألة توظيف الشخصيات لأدوار معينة ، أما الحوارات فهي عبارة عن أي كلام قد يسمع في من رواد المقاهي الشعبية مع تدوير نفس الوجوه القديمة وبدون أي تغيير يذكر لا في الشكل ولافي الشخصية ..
المنتجون ما يزالون يصرون على انتاج الرداءة حتى باتوا متخصصين في ذلك بامتياز ( باستثناء عمل او اثنين لحد بث حلقاتهما الاولى) وبالرغم من تخصيص اعتمادات مالية ضخمة لتلك الانتاجات فإن ما عرض لحد الآن يظهر قصورا في الرؤى واضطرابا في ميكانيزمات التفكير السوي والمعرفي تفوح منهما رائحه النزق والغباوة ، في غياب تام لروافد الفطرة والطاقة الإبتكارية ..
نحن ما زلنا نطمح فعلا الى متابعة اعمال مغربية جادة في مضامينها ومحتوياتها ، لكننا نصطدم مع كامل الاسف بمستويات هزيلة لا ترقى لطموحاتنا ! ففي وقت الافطار مثلا تحاصرنا ممثلات بسيل من الصراخ والعويل وتعتقدن أن ذلك قد يقربنهن الى المشاهدين ، وهناك عدد من الممثلات ماضون في تحقير المرأة القروية من خلال لهجة مصطنعة لم تعد لها قائمة في التداول في البادية المغربية .!
من جانب آخر هناك دراما مبطنة أو معدلة جاءت في صيغة اعمال فنية درامية ، والهدف الاساسي منها وما تتركه من اثار نفسيه واجتماعيه في مشاهدين هو تكريس سقطة الإبتذال والتخلف والعنف اللفظي من خلال الوقوف عند حوارات مغلفة بإيحاءات تخدش الحياء كان بالامكان تفادي توظيفها احتراما لمشاعر المشاهدين في هذا الشهر الفضيل ، وهي أمور تضعف من مستوى العمل في مجمله ، وأن السيناريو والحوار ، بات الحلقة الأضعف في منظومة الاعمال الدرامية الحالية ، في غياب المتخصصين في الكتابة ، وقد يقود هذا الى نقاش اخر يكمن في العلاقه بين الكاتب والمخرج وشركات الانتاج ، والمستشهرين ، ومع تعدد التفسيرات للأزمة تبقى الحلول الناجعة غائبة ؛ وقد حان الوقت لتغييرات جوهرية في عقليات الجهات المسيطرة والمستحوذة على مجالات الإنتاجات الرمضانية تحديدا .