المقهى أو البيت الثاني.. آخر معاقل المتقاعدين 2/2

عبد العلي جدوبي : المقهى فضاء للعلاقات الإجتماعية ، ومكون ابداعي ، ومكان لإضاعة الوقت ، والبحث عن أرقام الفوز برهانات الخيل ، وعقد الصفقات  ووقت للترويح عن النفس ، والتفنن في ابتكار اساليب النصب والاحتيال ، وفضاء اعلامي ، ومرتع خصب للنميمة ، وآخر معاقل المتقاعدين !

عدد المقاهي بالمغرب 200ألف مقهى ومطعم على المستوى الوطني حسب الجامعه الوطنيه لأرباب المقاهي والمطاعم بالمغرب ، تضم مدينة الدار البيضاء حوالي 20 ألف مقهى ، وتستخدم حوالي مليون و 500ألف شخص .

ما هي المدة الزمنية  التي يقضيها الشخص بالمقهى المتعود على ارتيادها يوميا ؟ وما هي أصناف الزبناء لكل مقهى ؟ وما هي غايه كل شخص من ولوج المقهى ؟ وهل يمكن اعتبار المدة الزمنية  التي يمضها الشخص داخل المقهى سنويا توازي وجوده داخل بيت الاسرة ؟

فقد تبين لنا من خلال حديثنا مع أصناف مختلفة  من زبناء المقاهي بمدينة الدار البيضاء ، أن الغاية من ولوج المقهى تختلف من شخص لآخر حسب ميوله ورغبته وهواياته ..

قال لنا مسؤول بالقسم الاقتصادي بالولاية  أن الشخص الراغب في فتح مقهى عند تقديم الطلب يمنح له الدرجة الثانية ، وبعد فترة تقدر بشهرين تعين لجنة لمعاينة طابع الخدمات ونوعية التجهيزات وجمالية الزينة ، بهدف تحديد الدرجة النهائية  التي تستحقها المقهى.. درجة أولى أوثانية ، واذا تعلق الامر بمخالفات خطيرة تتخذ ضد صاحب المقهى عقوبات ، وقد تنتهي باغلاق المحل !

والحقيقه أننا لم نشاهد أو نسمع قط عن مقهى تم اغلاقها بسبب عدم وجود الخدمات أو أن السبب الزيادة في ثمن المشروبات بالرغم من وجود العديد من المقاهي المنتشرة في كل مدننا المغربية تفتقر لأبسط شروط النظافة ،  بل أن العديد منها  توجد في حالة كارثية  ، وان ما يلاحظه العديد من سكان المدن الكبرى ببلادنا أن عدد المقاهي يرتفع خلال 20 سنه الأخيرة وبشكل مضطرد ، يتجاوز بكثير   الارقام التي حددتها الجامعة الوطنية  لأرباب المقاهي والمطاعم بالمغرب ، تواجد المقاهي لم يعد يقتصر على احياء دون  اخرى ، بل شمل كل الاحياء حتى الاحياء النائية ، وهذا التزايد جاء موازيا للتوسع العمراني الذي شهدته بلادنا ، وكذا التزايد الديموغرافي مما دفع  العديد من التجار الى استثمار اموالهم في مشروع مقهى  ما دام الربح مضمونا خصوصا إذا كان موقعها في مدار حضاري يعرف كثافة سكانية  يحقق لها رواجا متواصلا .

قال لنا احد رواد احدى المقاهي الشعبيه بحي ليساسفة ، بان مشروع المقهى مربح جدا فرأس المال يتكون من كراء المحل وتزيينه بشكل بسيط ومناسب ، وشراء بعض الكراسي وآلة للقهوة ، فضلا عن بعض المستلزمات البسيطة لهذه الغاية لا تتطلب مبالغ مالية كبيرة ومكلفة  فضلا عن مصاريف اخرى تكاد تكون بسيطة ! فالسلعة الظاهره هي المشروبات والقهوه التي يباع كاس منها بثمن ما بين ما بين 10 دراهم و 15 درهم ويحقق مردودية مالية  لا باس بها ، أما اذا اراد صاحب المقهى زياده مداخله فانه يتفق مع شركاء الالعاب الإلكترونية لاحضار بعض الالات التي يرغب فيها مقابل مبلغ مالي متفق عليه يقتسم من الارباح شهريا.

وبالمقابل عبر لنا عدد من ارباب  المقاهي الذين اتصلنا بهم عن تدمرهم من وضعيتهم المادية ، وأجمعوا على أن مشروع المقهى لم يعد مشروعا مربحا بقدر ما أصبح عبئا على أصحابه يشكل لهم متاعب وصعوبات مالية لا حصر  بسبب غياب الزبناء الرسميين من فتره لأخرى لكثرة المنافسة الشديدة ، إد أن كل ما فتحت مقهى جديدة ابوابها إلا وتردد عليها عدد كبير من الزبناء لكنهم سرعان ما ينتقلون الى مقهى اخرى !

وعلى ضوء هذه الآ،اء يتضح لنا أن مسألة الافلاس لم تعرف طريقها بعد الى أية مقهى وهو ما يفند مزاعم البعض بأن المقهى لم تعد مشروعا مربحا ، وكل ما يحدث أن هناك نقص في المداخل فقط.. فالافلاس يعني نهاية المشروع وظهور مشروع آخر محله ، وهو ما لم يحدث اذ لم يلاحظ قط ان المقهى الفلانية تحولت الى معمل الخياطة مثلا او متجر للملابس الجاهزه او لبيع الدراجات  !!

إن الظروف الإجتماعية لعدد من الاشخاص خصوصا منهم اولئك الذين يكتبون بنار العطالة لم تترك لهم ظروفهم فرصة تنظيم أوقات يومهم لإنعدام اي مشروع لديهم للخروج من وضعيتهم المزرية ، ولهذه الاسباب تكون المقهى بمثابة المنزل الثاني الذي يأوي إليه  هؤلاء لتمضية ساعات النهار ، والانتظار من يأتي من لا يأتي !  هذا ولا تسلم  المقاهي التي بها مكاتب لرهانات الخيل والكلاب من المتاعب ، رواد ونوع خاص ، اشخاص شاحبي الوجوه تبدو عليهم علامة انفعال ، يسكبون قهوتهم السوداء بشكل مضطرب وعيونهم مركزة على ورقة الرهان ، يركبون خيولا على الورق ويجرون ورائهم كلابا ضالة !..

أما بعدد من المدن المغربيه فما تزال بعض المقاهي التقليدية العتيقة  تحتفظ برونقها وشكلها وطريقتها في التعامل مع روادها الذين هم من نوع خاص .. فهناك المقاهي التي ما تزال تستخدم الكراسي الخشبية الطويلة  لزبنائها  منذ زمن بعيد وهناك ايضا مقاهي احتفظت بكراسها المصنوعه من الخشب والدوم والتي تكاد تتحول الى تحف من كثر قدمها ، وما تزال تستعمل ” الزيزوة” في طهي الشاي بواسطة الفحم لطهي الشاي التقايدي، وهي مقاهي يتواجد بعضها بمدينه فاس . .

يتحدث لنا سمسار مخضرم معروف لدى الاوساط الصناعية والبنكية  بصفقاته العديدة ويقول لنا السيد التهامي انه باع أهم العمارات والمشاريع الضخمه بولاية الدار البيضاء من داخل المقهى وسط المدينة ، كما أبرم العديد من الصفقات الضخمة كذلك من مقاهي اخرى ! ويقول أن المقهى يسهل عليه عملية التفاهم اكثر مع الزبناء من تواجده  بالمكتب حيث يشعر البائع او المشتري على حد سواء انهما مقيدان بقيود إدارية محضة ، وأن كلا  منهما يحاول التاثير على الاخر خصوصا إذا كان داخل مكتبه.. أما في المقهى فان الامر مختلف تماما

ومقابل هذه الصورة لا تخلو العلاقات بالمقهى من مشاكل لا حصر  لها ، فعدد من المقاهي المجاورة لبعض الادارات العمومية تكون عادة  محلا مفضلا لأشخاص ينتحلون   مهنا عديدة ، ويعملون على النصب والاحتيال وإيهام الناس بأن في مقدورهم  التوسط لإنجاز ورقة إدارية أو غيرها ، وكثيرا ما سهلت  مقاهي معينه مأمورية رجال الامن في القبض على اشخاص مزورين او منتحلين لشخصيات عديدة . 

هذا ويمكن الاشاره إلى انه خلال دالآونة الأخيرة  ظهرت العديد من المقاهي الراقية ، اتخذت مكانها داخل الاقامات المشيدة حديثا في الاحياء والشوارع الفسيحة ، كما قرر اصحابها وضع أثمنة لمشروباتهم تتناسب وموقع المقهى وزينته وتتماشى مع وضعية روادها الذين يمثلون فئة معينة  من الموظفين والتجار ورجال الاعمال والمال .

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.