فالنسيا ـ عبد العلي جدوبي : تقام في مدينة فالنسيا الإسبانية هذه الايام الإحتفالات السنوية بما يعرف بلاس فاياس las fallas والتي انطلقت منذ الفاتح من مارس الجاري وتستمر الى غاية 19 منه ، تتخلل هذه الاحتفالات الكرنفالية عروضا للالعاب النارية في العديد من مناطق المدينة ، بمشاركة الفرق الموسيقية التي تجوب الشوارع ، كما أن الفنانين المحلليين يبدعون في عرض مجسمات لشخوصات عملاقه في معظم شوارع المدينة ، تخصص للفائزين منهم حسب لجنة المهرجان جوائز مالية للعشر الأوائل عند اختتام الإحتفالات .
وقد اعتادت سلطات مدينة فالنسيا كل سنة على إحياء هذا التقليد الاحتفالي السنوي الذي يعود الى القرن 19 كتعبير من الإسبان في احياء تقاليد قديمة تحت مسمى (الاحتفالات العربية المسيحية) وكتعبير لإحياء التراث العربي بفتح المماليك الإسلامية ، هذا الكرنفال تبدأ الاستعدادات الاولى له في مدينة الهياكل ، وهي مجمع يضم 62 مشغلا كبيرا يقع في الطريق الشمالي لمدينة فالنسيا ، تنطلق العمل به لصنع الأشكال الأولى للهياكل المجوفة والشخوص كقطع منفصلة كي يسهل اخراجها من بوابات المشاغل ، على ان يتم تجميعها في ساحات وشوارع العرض بالمدينة .
ويمثل الفولكلور في هذه الاحتفالات بجذوره المتشعبة خيوطا تحيل الوجدان الاسباني خارج إطار المواجهة التاريخية مع الحضور العربي الاندلسي .. فلم تستطع طوال السنين أن تخفي أو تحجب إشعاع الحقيقة الأندلسية ؛ فالاسبان الذين أجهدوا أنفسهم في البداية في التعتيم على تلك الحقبة ، أو تجاهلها ، وجدوا انفسهم في رحابها .. فإلم يكن منهم من أصول عربية ، فإن الحضارة وصلت إليهم بصورة من الصور ، وخلق تأثيرها الواضح .. وحتى اليوم ما زالت هناك عائلات إسبانية من أصول عربية تحتفظ بالكثير من الذكريات والاثار ..
ويرى عدد من الباحثين الاسبان أن الشاعر الكبير ( فدريكو غارسيا لوركا) مجرد شاعر عربي كتب باللغة الإسبانية ، فالروح التي جاءت بها أشعاره ورواياته ومسرحياته ، روح عربية أندلسية صرفة ، وهو نفسه كان يعرف عن نفسه بأنه مواطن من مملكة غرناطة ..
يرتدي المشاركون من الرجال والنساء ازياء تقليدية بألوان زاهية ، وتقام بعروض موسيقية اعلانا لإنتهاء المهرجان بمواكب الزهور القادمة من كل البلديات التابعة لمدينة فالنسيا ، هذه الاحتفالات تخلق حركة سياحية نشيطة بالمدينة التي تشهد رواجا منقطع النظير وإكتضاضا بالسياح الذين يجوبون الشوارع التي تظل كحلبات مغلقه لتمكن الزوار من التجوال بكل حرية وسط التماثل العملاقة التي توجد بجميع الشوارع الكبرى والأزقة وكانها جيش يغزو المدينة .. هذا وخلال اليوم الأخير من هذه الاحتفالات وهو يوم 19 مارس يتجمع الناس حول مكان التماثيل ، ويتم حرقها حسب التقاليد القديمة حينما كان النجارون يحرقون ما تبقى من اخشاب ونجارة لديهم بعد موسم تجاري مربح ، بمشاركة جميع اطياف التجار من مسيحيين ومسلمين وغيرهم الذين كانوا يمتهنون مهنة النجارة بمدينة فالنسيا خلال تلك الحقبة ، كما يقول بعض المؤرخين.. هذا المهرجان السنوي تم ادراجه من طرف اليونسكو ضمن التراث الثقافي العالمي اللامادي العام 2016 .
