د.جمال المحافظ: أعدت الحكومة مشروع قانون رقم 09.26 يتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وصفته بأنه ” يأتي انسجاما مع التوجيهات الدستورية ذات الصلة بحرية التعبير والتنظيم الذاتي للمهنة”، ويندرج في اطار، ” الوعي بالحاجة إلى تأمين استمرارية المجلس في مهمته المتمثلة في التنظيم الذاتي للمهنة والرقي بأخلاقياتها وتحصين القطاع بكيفية ديمقراطية ومستقلة”، حسب ما جاء في بلاغ صادر في 19 فبراير 2026 في أعقاب اجتماع مجلس الحكومة الذي قدم خلاله وزير الشباب والثقافة والتواصل المشروع.
وكانت المحكمة الدستورية قضت، في 22 يناير 2026، بعدم دستورية عدد من مواد مشروع القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، في أعقاب طعن المعارضة بمجلس النواب في دستورية هذا المشروع بدعوى ” المساس بجوهر التنظيم الذاتي لقطاع الصحافة، وإخلاله بمبادئ التعددية والتوازن في التمثيلية”، وهكذا اعتبرت المحكمة بأن عددا من مقتضيات المشروع جاءت مخالفة للدستور خاصة الفصل 28 منه، لكن أقرت في نفس الوقت بمطابقة مواد أخرى من للقانون الأسمى.
وأحال 96 نائبًا من المعارضة في السابع من يناير 2025 الى المحكمة الدستورية طعنا، شمل عدة مواد ، همت الفصول 6 و28 و118 و120، المرتبطة بمبدأ المساواة، والتنظيم الذاتي للصحافة، وضمانات المحاكمة العادلة، والفصل بين السلط، فضلا عن اختلال التوازن في التمثيلية بين الصحافيين والناشرين داخل المجلس الوطني للصحافة.
صيحة في واد
وسجلت المحكمة الدستورية، بأن منح فئة النّاشرين تسعة مقاعد، مقابل سبعة فقط للصحافيين المهنيين المنتخبين، من دون مبرر موضوعي، ” يشكل إخلالًا واضحًا بمبدأ التوازن والتساوي في التمثيلية بين الفئتين، وأن هذا التفاوت يتعارض مع الأسس الديمقراطية لتنظيم قطاع الصحافة”ـ كما صرحت بأن تخويل المشروع للمنظمة المهنية الأكثر تمثيلية في فئة الناشرين الاستحواذ على جميع المقاعد المخصصة لهذه الفئة داخل المجلس، ” يتعارض صراحة ” مع مبدأ التعددية المنصوص عليه في الفصل الثامن من الدستور، وهو ما يفضي إليه من احتكار التمثيل المهني وإقصاء باقي التنظيمات، ويتناقض مع القواعد الديمقراطية .
وبغض النظر عن قرار المحكمة، ومصادقة مجلس الحكومة أخيرا على مشروع قانون بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة معدل، ، فإن ما يثير الانتباه لحد الآن غياب أي رد فعل أو تفاعل مع هذه المستجدات، وهو ما يطرح تساؤلات عدة منها هل أن قرار المحكمة الدستورية، حسم الجدل “بصفة نهائية بين مختلف الأطراف؟، وبالتالي تظل مجمل المقترحات والتوصيات والآراء السابقة، كانت ” صيحة في واد ” سواء تلك التي قدمتها التنظيمات المهنية والحقوقية، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الوطني لحقوق الانسان حول الموضوع.
من بين هذه المقترحات المطروحة تضميــن ديباجــة تؤطــر مشــروع القانــون ضمــن المقتضيات الدســتورية التي تنص على حريــة التعبيــر والصحافــة، مــع الإحالــة علــى المواثيــق الدوليــة ذات الصلــة، باعتبار أن ذلك، قد يساهم في تحصين تعزيــز قــدرة المجلــس الوطني للصحافة علــى الاضــطلاع بـدوره كاملا فـي حمايـة ممارسـة حرية التعبيـر فـي مجـال الصحافـة والنشـر.
ديباجة شاملة
إن غياب ديباجة للمشروع جعل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، يذهب الى وصف ذلك ب” العيب الشكلي ” الذي يؤثر على وضوح غاية المشروع ويضعف من بنيته التأويلية، مما قد يفضى إلى تطبيقات تجافى الضمانات الدستورية والحقوقية التي يفترض أن يكرسها النص الذى طرح بمعزل عن قانون الصحافة والنشر والنظام الأساسي للصحفيين المهنيين، رغم الارتباط البنيوي والوظيفي بين هذه القوانين التي تشكل كثلة واحدة تمثل مدونة الصحافة.
فباستثناء بعض المقالات والملاحظات لإعلاميين ومهتمين الذين تفاعلوا مع مستجدات التنظيم الذاتي ; وتحولاته، فإن الهيئات المهنية والحقوقية التي كانت رحبت بصدور قرار المحكمة الدستورية، لم تعر لحد الآن أي الاهتمام المطلوب بمشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، الذي من المنتظر تقديمه ومناقشته بالبرلمان في دورة أبريل المقبل.
مقاربة تشاركية
إن غياب التفاعل والصمت، من شأنه أن يفوت الفرصة على هذه الهيئات لبسط مقترحاتها والدفاع عن مطالبها، خاصة بعد أن بادرت الحكومة إلى حذف البنود التي صرحت المحكمة، بعدم دستوريتها. وهنا يطرح تساؤلا ت في مقدمتها هل سيتم التجاوب مع مقترحات و توصيات هيئات وفعاليات التي لا تندرج ضمن اختصاصات المحكمة الدستورية.
وهذا ما يتطلب العمل على إطلاق مسلسل تشاوري موسع من أجل بلورة إصلاح شامل ومتوافق عليه لمجموع النصوص القانونية المشكلة لمدونة الصحافة و النشر، لأنها منظومة مترابطة تقتضي مراجعة تشريعية متزامنة، حتى تواكب التطورات المعيارية في مجالات حرية التفكير والتعبير والرأي، كما يسجل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في رأيه حول مشروع القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة.
وإذا كان من المفروض الاستجابة للتحديات التي تواجه الصحافة، سواء على مستوى أخلاقيات المهنة، واستدامة النموذج الاقتصادي للمقاولة الناشرة، فإنه يتعين على الهيئات والمنظمات المهنية، اتخاذ مبادرات استباقية، وتحسيس وتعبئة الجسم الإعلامي ومنظمات المجتمع المدني من أن أجل تجويد مشروع النص.
تعبيرات جديدة
كما يتطلب الأمر، استحضار المتغيرات التي تعرفها البيئة الإعلامية ووضعية وسائل الإعلام والاتصال، وذلك حتى يشكل طرح مشروع القانون المعدل، كذلك ” مناسبة لمواكبة التحولات التكنولوجية المتسارعة، ولا سيما وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت تشكل قنوات رئيسية لممارسة حرية الإعلام، بعد أن لم تعد الصحافة التقليدية تحتكر هذا الدور” كما يرى المجلس الوطني لحقوق الانسان .
إن طرح مشروع التنظيم الذاتي ، الذي لم يرافقه نقاش عمومي، يتزامن مع نوع آخر من التحديات التي أصبحت تواجهها الصحافة والإعلام، نتيجة الثورة الرقمية التي ساهمت بشكل واسع في احداث تحولات عميقة على مستوى الفضاء العام الذي تحول نتيجة لك الى فضاء اعلامي بامتياز، والتي كان من افرازاتها تنامي ما يطلق عليهم ب” المؤثرين ” وهي الظاهرة التي أضحت تنافس الصحافيين المهنيين، ويتعاظم دورها في توجيه الرأي العام والاستئثار باهتماماته.
لكن على الرغم من هذه التحديات، فإنه لا ينبغي أن يغرب عن البال بأن مهنة الصحافة، ترتبط بحقول أخرى منها ما هو حقوقي وسياسي وقانوني وأخلاقي، وهو ما يجعل ممارسة المهنة تعبيرا حقيقيا عن مدى قوة وهشاشة فضاء الحرية في أي بلد من البلدان.