“القانون الدولي أمام تحديات الجيوستراتيجية الجديدة”.. موضوع ندوة للصحافي والكاتب إيغناسيو رامونيه بالرباط

احتضن مساء أمس الخميس ، المعهد الوطني العالي للموسيقى والفن الكوريغرافي، ، محاضرة فكرية أطرها المفكر والصحافي الإسباني إيغناسيو رامونيه، تحت شعار “القانون الدولي أمام تحديات الجيوستراتيجية الجديدة”، وذلك بحضور نخبة من الأكاديميين والباحثين والاعلاميين وشخصيات من مشارب فكرية متعددة، في سياق دينامية فكرية تسعى إلى تفكيك التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي.

وجاء تنظيم هذا اللقاء بمبادرة من صحيفتي “البيان” و بيان اليوم”، ضمن برنامج فكري واعلامي يروم الى مواكبة التحولات المتسارعة على الصعيد العالمي، حيث شكلت الندوة امتدادا للنقاش الذي افتتحه رامونيه في الدار البيضاء حول مستقبل الصحافة، لينتقل هذه المرة إلى تفكيك العلاقة المعقدة بين القانون الدولي وموازين القوة في عالم يتجه نحو تعددية قطبية متشابكة.

وفي مداخلته، استعرض رامونيه المسار التاريخي لتطور العلاقات الدولية، مبرزا الأهمية المفصلية لمعاهدات صلح وستفاليا التي أنهت حرب الثلاثين عاما، وأسست لنظام دولي حديث قائم على سيادة الدول ومبدأ عدم التدخل، مع ترسيخ آليات الحوار والتفاوض كبدائل عن الصراع المسلح، معتبرا أن هذه اللحظة التاريخية شكلت انتقالا نوعيا من منطق الهيمنة والقوة العارية إلى منطق التنظيم القانوني للعلاقات بين الدول.

غير أن المتحدث توقف عند حدود هذا التحول، مشيرا إلى أن القانون الدولي، رغم ما راكمه من مؤسسات وآليات، ظل رهينا بتوازنات القوة، وهو ما يظهر بوضوح في السياق الدولي الراهن، حيث تتزايد النزاعات وتتراجع فعالية المؤسسات متعددة الأطراف، في مقابل صعود قوى جديدة تعيد رسم خرائط النفوذ العالمي.

وفي هذا الإطار، شدد رامونيه على أن العالم يعيش اليوم مرحلة إعادة تشكيل عميقة، تتسم بتداخل المصالح الاقتصادية مع الرهانات الجيوسياسية والتكنولوجية، حيث أصبحت البيانات، والذكاء الاصطناعي، والتحكم في الموارد الاستراتيجية عناصر حاسمة في تحديد موازين القوة، وهو ما يطرح تحديات غير مسبوقة أمام القانون الدولي الذي يجد نفسه مطالبا بالتكيف مع واقع أكثر تعقيدا وأقل قابلية للضبط.

واعتبر أن الانتقال نحو نظام متعدد الأقطاب لا يعني بالضرورة توازنا مستقرا، بل قد يفتح المجال أمام أشكال جديدة من التنافس والصراع، ما لم يتم تعزيز قواعد القانون الدولي وتطوير آلياته، بما يضمن احترام سيادة الدول وحماية السلم الدولي، في ظل ما وصفه بـ”التحول من عالم تحكمه قواعد واضحة نسبيا إلى عالم تسوده الضبابية الاستراتيجية”.

كما توقف عند دور الفاعلين غير الدولتيين، من شركات متعددة الجنسيات ومنصات رقمية كبرى، التي باتت تمتلك تأثيرا متزايدا في توجيه السياسات العالمية، خارج الأطر القانونية التقليدية، ما يفرض إعادة التفكير في مفهوم السيادة ذاته، وفي حدود السلطة القانونية للدول في مواجهة هذه التحولات.

وفي تصريح  لمدير نشر صحيفتي “البيان” و“بيان اليوم، ابرز محتان الرقاص، أن هذا اللقاء لا يندرج فقط ضمن النقاش الأكاديمي، الذي يشكل لحظة للتفكير الجماعي حول رهانات الحاضر واستشراف المستقبل، مؤكدا أن مثل هذه المبادرات تفتح المجال أمام تفاعل مثمر بين الجامعيين والاعلاميين والطلبة وصناع القرار، بما يعزز ثقافة الحوار والنقاش العمومي.

وأضاف أن تنظيم هذه الندوة يأتي في سياق الحاجة المتزايدة إلى فضاءات فكرية قادرة على تفكيك التحولات العالمية الكبرى، وربطها بالسياقات الوطنية والإقليمية، بما يمكن من بناء رؤى استراتيجية أكثر وضوحا في عالم سريع التغير.

وتندرج هذه المحاضرة ضمن سلسلة لقاءات فكرية تهدف إلى تعميق النقاش حول قضايا الإعلام والجيوسياسة، حيث يواصل إيغناسيو رامونيه، المدير الحالي لتحرير النسخة الإسبانية من “لوموند ديبلوماتيك”، حضوره كأحد أبرز الأصوات النقدية في تحليل تحولات النظام الدولي، من خلال مقاربة تربط بين التاريخ السياسي والتحولات المعاصرة، وتسلط الضوء على التحديات التي تواجه القانون الدولي في زمن تتسارع فيه إعادة تشكيل موازين القوة على الصعيد العالمي.

وتجدر الاشارة الى ان إيغناسيو رامونيه وُلد رامونيه سنة 1943 في إسبانيا، وانتقلت اسرةته الى المغرب سنة 1961،  حيث حصل على شهادة الباكالوريا في مدينة طنجة، وتخرج من المدرسة المحمدية للمهندسين، وبعدها رحل الى باريس سنة 1972، لاستكمال تعليمه العالي، وهو مفكر وصحافي وكاتب اشتهر بدفاعه عن إعلام مستقل ونقده القوي لهيمنة الشركات الكبرى على وسائل الإعلام. ارتبط اسمه بشكل وثيق بمجلة لوموند ديبلوماتيك، حيث شغل منصب مدير النشر فيها لسنوات طويلة، وساهم في تحويلها إلى منبر عالمي للفكر النقدي والتحليل العميق للقضايا الدولية، قبل أن يتولى لاحقًا إدارة تحرير نسختها الإسبانية.

يُعرف رامونيه بكتاباته التي تنتقد العولمة النيوليبرالية، وتدعو إلى نظام إعلامي أكثر توازناً وعدالة، وقد كان من بين أبرز الداعمين لإطلاق المنتدى الاجتماعي العالمي، الذي جاء كفضاء بديل لمناقشة قضايا العدالة الاجتماعية والاقتصادية على المستوى العالمي.

من بين أبرز أفكاره، تحذيره المبكر من “تضخم المعلومات” و”فوضى الأخبار”، حيث يرى أن كثرة المعطيات لا تعني بالضرورة الوصول إلى الحقيقة، بل قد تؤدي إلى تضليل الرأي العام، وهو ما يجعله من الأصوات التي نبهت إلى مخاطر الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي على مهنة الصحافة.

كما ألف عدة كتب ومؤلفات تناولت قضايا الإعلام والسياسة، واهتم بشكل خاص بالعالم العربي وأمريكا اللاتينية، وارتبط اسمه بحوارات فكرية مع شخصيات سياسية بارزة، من بينها الزعيم الكوبي فيديل كاسترو.

ويتميز مساره بقدرته على الربط بين التحليل الإعلامي والتحولات الجيوسياسية، مما جعله مرجعًا في فهم علاقة السلطة بالإعلام، ودور الصحافة في تشكيل الرأي العام في عالم يشهد تغيرات متسارعة.

“الفيديو”:

للموضوع عودة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.