جرى تقديم ” ضوء المغاربة قصائد تعبر القارات: انطولوجيا الشعر المعاصر في الشتات” بحضور مؤلفه الشاعر حسن نجمي، اليوم السبت 2 ماي، ضمن البرنامج الثقافي لمجلس الجالية المغربية بالخارج في اطار الدورة الواحدة والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط المنظم ما بين 30 أبريل و10 ماي 2026 .
وخلال هذا اللقاء أوضح الشاعر حسن نجمي أن هذا الكتاب، الصادر ضمن منشورات مجلس الجالية المغربية بالخارج، يأتي كمشروع أنطولوجي ونقدي في آن، يسعى إلى مسألة تحولات الكتابة الشعرية المغربية من خلال عبورها الثقافي والجغرافي واللغوي، وذلك باختيار ستة وثلاثين صوتا شعريا أقاموا أو يقيمون في فضاءات متعددة ( فرنسا، اسبانيا ، ألمانيا، إيطاليا بلجيكا، كندا الولايات المتحدة الأمريكية ) موضحا بأن هذا التعدد لا يقتصر على البعد الجغرافي وحده، إذ يمتد إلى تنوع الأجيال، والحساسيات، ومسارات التكوين الثقافي، وإلى الجنسين أيضا، مما يجعل من هذا العمل نوعا من مختبر يسعف في دراسة ديناميات الشعر المغربي في الشتات.
ومن منظور نقدي، اعتبر نجمي يمكن قراءة هذه المختارات في أفق ما يعرف ب” أدب العبور” أو الكتابة العبر وطنية”، حيث تتجاوز النصوص منطق الانتماء الأحادي لتشتغل داخل فضاء هجين تتقاطع فيه اللغات والهويات.
وكما دبج في الكتاب اكد على أنه من الواضح أن الشعراء والشاعرات في هذا الكتاب، وهم يكتبون بالعربية والأمازيغية والفرنسية والإنجليزية، وأحيانا في منطقة تماس بينها، يكتشفون أن اللغة تتحول لديهم إلى موضوع للكتابة نفسها، وإلى مجال للتوتر والتفاوض وإعادة التشكيل. وبهذا المعنى، تنتج القصيدة خطابا مزدوجا: خطابا ينهل في ذاكرة مغربية عميقة، شخصية أو جماعية، وخطاب آخر ينخرط في سياقات ثقافية كوني، دون أن يذوب فيها كليا.
بيد أنه أضاف أن هذه النصوص تكشف عن تحولات لافتة في البنية الشعرية، على مستوى الشكل أو الرؤية، وقال يبدو أن قصيدة النثر، بوصفها أفقا مشتركا لدى عدد كبير من هذه الأصوات، تتخذ هنا منحى أكثر تحررا ، متأثرة بتقاليد شعرية عالمية. لكنها في الوقت نفسه تبقى مشدودة إلى أسئلة محلية تتعلق بالهوية، والمنفى، واللغة، والذاكرة. كما تحضر أنماط أخرى من الكتابة، تتقاطع فيها السردية مع الشعرية، واليومي بالتأملي والحميمي بالسياسي” في ما يشبه إعادة تعريف لوظيفة الشعر وحدوده”.
لكن نجمى استدرك بالقول بأن هذا التشخيص لا ينبغي أن يحجب البعد السوسيولوجي الحاضر في هذه التجربة الشعرية ، حيث يشتغل النص الشعري بوصفه فضاء لتشخيص أو لتفكيك تجربة الهجرة والعيش في الشتات. ولا تختزل هذه التجربة في ثنائية الانتماء والاقتلاع التقليدية، وإنما تعاد صياغتها كتجربة مركبة. تتداخل فيها مشاعر الاغتراب مع إمكانيات الانفتاح، والقطيعة مع إمكانيات الوصل، وهنا تغدو القصيدة شكلا من أشكال المعرفة الذاتية، ومنصة لإعادة كتابة السيرة الفردية والجماعية في آن.
وأضاف أن هذه المختارات تبرز أيضا مسألة الترجمة، كشرط وجودي للكتابة ذاتها، إذ أن بعض هذه النصوص كتبت أصلا بلغات غير العربية ( عبداللطيف اللعبي، الطاهر بن جلون ، محمد حمودان، عمر برادة، خالد اليملاحي، مصطفى خرمودي، أحمد الزياني )، وبعضها الآخر يعيش في حالة ” ترجمة داخلية”، حيث تتجاوز طبقات لغوية وثقافية متعددة داخل النص الواحد. ومن ثم، يمكن القول إن هذه الانطولوجيا تسهم في توسيع مفهوم الشعر المغربي، ليشمل كتابات تنتج خارج حدوده اللغوية، والجغرافية المعتادة دون أن تفقد صلتها العميقة به.
وبهذا المعنى أبرز الشاعر حسن نجمي فإن” ضوء المغاربة” – يوضح حسن نجمي، لا يقدم مجرد مختارات شعرية، إنه يقترح إطارا لقراءة تحولات لشعر المغربي في زمن العولمة والتنقلات من حيث لم يعد الشاعر مرتبطا بمكان واحد أو يكتب ويتكلم داخل لغة واحدة. لقد أصبح كائنا عابرا يصوغ هويته في حراك عبر المكان والزمان ويكتب على ضوء تجربة التخوم والحدود المتعددة، وهو في نظره ما يمنح هذه التجربة تميزها، ويجعل منها مادة خصبة للتأمل النظري أو لمقتربات نقدية وربما لإعادة التفكير في عدة مفاهيم ك” الأدب الوطني ” أو “اللغة الأم ” ، فضلا عن معنى الانتماء الثقافي ذاته وانزياح حدوده
وإذا كان الكتاب يشكل فضاء تفاعليا بين نصوص تنتمي إلى أفق مشترك”، رغم اختلاف لغاتها ومساراتها، وإنه ضوء يتوزع على جغرافيات متعددة، لكنه يحتفظ بحرارته الأولى: حرارة التجربة المغربية، وهي تنفتح على العالم، وتعيد اكتشاف نفسها في مراياه، فإن حسن نجمي يؤكد بأنه الى جانب ذلك يمكن القول إن هذه النصوص تنخرط ضمن دينامية ما تصفه الدراسات الأدبية والثقافية المعاصرة بمفاهيم ” الترجمة بوصفها كتابة ” والأدب العابر للحدود” إذ تغدو هذه الانطولوجيا إلى حد ما” أرشيفا شعريا” لتجربة الشتات المغربي، ومختبرا نظريا لفهم تحولات الكتابة الشعرية المعاصرة في المغرب وعلاقتها باللغة بالجسد ، بالذاكرة، بالجغرافيات الشعرية وبالعالم، باعتباره ” مجموعة من تملكاتنا للأرض (للطبيعة) بصيغة شاملة، أي عبر الحواس والفكر، الكلمات والفعل “.
أما الشاعر والمترجم منير السرحاني أستاذ التعليم العالي بشعبة الأدب الفرنسي بكلية الآداب بالمحمدية، الذي تولى تنشيط هذا اللقاء الذي شارك فيه الشعراء عبد الإله الصالحي و محمد حمودان و خالد اليملاحي، فاعتبر بالخصوص أن الأهمية الكبرى لهذه المختارات ، تكمن في قدرتها على تجاوز الأسماء المكرسة لإبراز تعددية الأجيال، فهي تظهر أن الشتات المغربي لا يختزل في أسماء محدودة، بل يشكل حقلا جماليا معقدا ومتوسعا. إذ تستكشف الأصوات مجتمعة مجالات متعددة: الذاكرة العائلية، النقد السياسي، التأمل الميتافيزيقي، والتجريب الشكلي. وهكذا يغدو الشتات مختبرا شعريا.
ولاحظ السرحاني في تقديمه للكتاب، أن المسألة اللغوية تحتل موقعا مركزيا في هذا السياق، فالتعايش بين العربية والفرنسية وأحيانا الأمازيغية، خصوصا في هولندا، أو غيرها، يكشف عن تعددية بنيوية، ملاحظا بأن كثيرا ما يعيش الشعراء الشتات المغربي في أفق النقد، ويمارسونه بوعي أو بدونه، فيعيدون في الحالة الغربية وفي تراثهم الخاص. وتبعا لذلك، يقول السرحاني” تصبح اللغة، فضاء للتوتر والإبداع . فالكتابة بالفرنسية من باريس أو متنريال لا تعنى القطيعة مع العربية داخل البلاد” علاوة على أن الكتابة بالعربية من مدريد أو بروكسيل أو باريس، لا تمحو أثر المشهد الأوروبي، ويكشف شعر الشتات عن ” هوية لغوية علائقية ومركبة، شبيهة ما يسمى ب” الهوية السردية”، كهوية تبنى عبر الحكي وتعاد صياغتها عبر الزمن”.
ويرى في تقديمه لهذا المؤلف بأن هذه الشعرية ” لا تكتفى بالحفاظ على ” صلة حنينية” بالوطن ، بل تتحول إلى فضاء للوساطة والتحول المتبادل بين مخيلتين ثقافتين، فهي وإن استمدت مادتها من الذاكرة واللغة الأم وجراح المنفى، فإنها تنخرط أيضا في ” توترات فضاءات الاستقبال ومناظراتها، وتسهم في اثرائها بل ومساءلتها”.
وبفضل اشتغالها على اللغة – تهجينا وترجمة وانزياحا دلاليا-، يعتبر السرحاني بأنها بذلك تدخل إلى المجال الأدبي إيقاعات وصورا وحساسيات جديد تساهم في إعادة تشكيل الذات والتمثلات الجماعية. وهكذا يصبح شعر الشتات فضاء لتبادل الرموز، تبنى في هوية متعددة، لا تعكس الأصل فحسب، بل تعيد تشكيل فضاء مشترك، محولة المنفى إلى قوة إبداعية، والتنقل إلى حوار توافقي.
ع.ح/ح
