رئيس مجلس المستشارين محمد ولد الرشيد: المغرب جسر استراتيجي بين أوروبا والخليج وإفريقيا.. وصانع للتكامل الاقتصادي الإقليمي
أكد السيد محمد ولد الرشيد، رئيس مجلس المستشارين بالمملكة المغربية، ورئيس جمعية مجالس الشيوخ في إفريقيا، ان المملكة المغربية تواصل تعزيز موقعها كفاعل محوري وحلقة وصل استراتيجية بين الفضاءات الأورو-متوسطية والخليجية والإفريقية، بفضل رؤية ملكية متبصرة يقودها الملك محمد السادس، تقوم على تعزيز التكامل الاقتصادي والتعاون متعدد الأبعاد وخدمة التنمية المشتركة بين الشعوب.
جاء ذلك خلال الكلمة التي القاها في الجلسة الافتتاحية للدورة الرابعة لمنتدى مراكش البرلماني الاقتصادي للمنطقة الأورو-متوسطية والخليج، المنعقد بمراكش، تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، بحضور شخصيات برلمانية واقتصادية ودبلوماسية وازنة تمثل مختلف دول المنطقة وشركاءها الدوليين.
واستهل ولد الرشيد كلمته بالتأكيد على أن احتضان المملكة لهذا المنتدى يجسد العناية الملكية السامية بالدبلوماسية البرلمانية وبالفضاء الأورو-متوسطي وامتداداته الإفريقية والأمريكولاتينية، باعتباره فضاءً للتضامن والاستقرار والتكامل الاقتصادي والحوار بين الثقافات، ورافعة عملية لخدمة التنمية المشتركة ومصالح الشعوب.
واوضح أن المنتدى نجح خلال السنوات الماضية في الانتقال من مجرد فضاء للنقاش وتبادل الرؤى إلى منصة مؤسساتية للحوار الاقتصادي البرلماني، قادرة على إنتاج الأفكار والمبادرات وتوجيه النقاشات نحو حلول عملية تستجيب للتحديات الاقتصادية والتنموية التي تواجه المنطقة.
واشار إلى أن الدورة الرابعة للمنتدى تتميز باربع ركائز أساسية تعكس مستوى النضج الذي بلغه هذا الموعد البرلماني والاقتصادي الدولي.
وتتمثل الركيزة الأولى في الريادة، حيث استطاع المنتدى ان يرسخ مكانته كمرجعية إقليمية للحوار البرلماني الاقتصادي الجاد، بفضل ما راكمه من تجارب وشراكات وما يحظى به من دعم مؤسساتي متواصل، خاصة من طرف برلمان البحر الأبيض المتوسط.
اما الركيزة الثانية فتتمثل في الانفتاح، من خلال توسيع دوائر الحوار وإدماج البعد الإفريقي ضمن اجندة المنتدى، بما ينسجم مع الرؤية الاستراتيجية للمملكة المغربية القائمة على تعزيز الاندماج الاقتصادي الإفريقي والتعاون جنوب-جنوب، واستشراف الآفاق التي تفتحها المبادرات الملكية لفائدة القارة الإفريقية، وفي مقدمتها المبادرة الأطلسية لفائدة دول الساحل.
وفي ما يتعلق بالركيزة الثالثة، وهي صناعة الأثر، أكد ولد الرشيد أن طموح المنتدى لا يقتصر على تبادل الأفكار والتشخيص النظري للتحديات، بل يتطلع إلى بلورة مبادرات عملية وشراكات قابلة للتنفيذ، من شأنها أن تترك أثراً ملموساً ومستداماً في السياسات العمومية ومسارات التنمية الاقتصادية.
أما الركيزة الرابعة فتتمثل في المأسسة، من خلال العمل على الارتقاء بالمنتدى إلى منصة دائمة للحوار والتنسيق والتشاور، مدعومة بآليات حكامة تضمن استمرارية العمل والتتبع بين مختلف الدورات.
وفي هذا الإطار، أبرز رئيس مجلس المستشارين أهمية الإعلان المشترك الذي تم توقيعه بين مجلس المستشارين وبرلمان البحر الأبيض المتوسط، معتبراً أنه يشكل إطاراً مرجعياً لتعزيز التقارب التشريعي وتحفيز الاستثمار وتوطيد التكامل الاقتصادي داخل الفضاء الأورو-متوسطي والخليجي والإفريقي.
وسجل ولد الرشيد أن المنطقة الأورو-متوسطية والخليجية والإفريقية تمتلك مؤهلات اقتصادية واستراتيجية هائلة تؤهلها للاضطلاع بدور مؤثر في الاقتصاد العالمي، غير أن ترجمة هذه الإمكانات إلى نتائج ملموسة تستدعي إرادة سياسية قوية تقوم على التنسيق والتكامل وتوحيد الجهود لمواجهة التحديات المشتركة.
وفي هذا السياق، استعرض المكانة التي يحتلها المغرب باعتباره نقطة التقاء بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي، مؤكداً أن المملكة أصبحت فاعلاً محورياً في الربط بين هذه الفضاءات الاقتصادية المتكاملة، وفق منطق الشراكة المتوازنة والرابح-رابح.
وأوضح أن الشراكة الأورو-متوسطية للمغرب شهدت تطوراً ملحوظاً منذ توقيع اتفاقية التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي سنة 1996، ثم حصول المملكة على الوضع المتقدم سنة 2008، وصولاً إلى إطلاق الشراكة الأورو-مغربية من أجل الازدهار المشترك سنة 2019، وهو ما مكن الاقتصاد المغربي من الاندماج بشكل متزايد في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية.
وأشار إلى أن العديد من التقارير الدولية، ومنها تقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، تصنف المغرب ضمن أكثر الاقتصادات المتوسطية اندماجاً في سلاسل القيمة وأكثرها قدرة على استقطاب الاستثمارات وربط الأسواق الأوروبية والإفريقية.
وعلى مستوى العلاقات المغربية الخليجية، أكد ولد الرشيد أن هذه الشراكة تجاوزت منذ سنوات منطق العلاقات التقليدية الثنائية، لتتحول إلى رافعة حقيقية للتعاون العابر للأقاليم، مستندة إلى الثقة السياسية المتبادلة والمصالح الاقتصادية المشتركة.
وأضاف أن قطاعات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والصناعات المرتبطة بالانتقال الطاقي تمثل مجالات واعدة لهذا التعاون، بالنظر إلى تكامل القدرات الاستثمارية الخليجية مع المؤهلات الطبيعية واللوجستية التي يتوفر عليها المغرب.
أما في البعد الإفريقي، فقد شدد على أن المملكة المغربية جعلت من التعاون مع القارة الإفريقية خياراً استراتيجياً ثابتاً، يهدف إلى تحقيق التنمية المشتركة والاستقرار والازدهار المتبادل.
واعتبر أن المبادرات الملكية الكبرى، وعلى رأسها مشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، والمبادرة الأطلسية لفائدة دول الساحل، ومبادرة تكييف الفلاحة الإفريقية مع التغيرات المناخية، تعكس بوضوح الرؤية المغربية الهادفة إلى تحويل إمكانات القارة إلى مشاريع تنموية ملموسة تخدم شعوبها.
وفي معرض حديثه عن التحديات الراهنة، أوضح ولد الرشيد أن المواضيع المطروحة للنقاش خلال المنتدى، وفي مقدمتها تراجع المبادلات التجارية الدولية، وتفاقم المديونية، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الأزرق، تلتقي جميعها حول سؤال جوهري يتعلق بقدرة البرلمانات على الإسهام في بناء منظومة إقليمية جديدة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص حقيقية للتنمية.
وأكد أن التشريع البرلماني أصبح اليوم أداة أساسية في حماية الاستقرار الاقتصادي وتحفيز الاستثمار ومواكبة التحولات التكنولوجية والبيئية، مشيراً إلى أن وضع قوانين تضمن الانضباط المالي يسهم في الحد من مخاطر المديونية، وأن المصادقة على اتفاقيات التبادل الحر لا تفتح الأسواق فقط، بل تساهم أيضاً في نقل التكنولوجيا والمعرفة والخبرات.
كما شدد على أهمية إرساء أطر قانونية متوازنة تضمن الاستغلال المستدام للموارد البحرية وحماية التنوع البيولوجي، فضلاً عن تأطير الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية بشكل يحولها إلى رافعة للتنمية بدل أن تتحول إلى مصدر جديد للفوارق الاجتماعية والاقتصادية.
وفي ختام كلمته، جدد رئيس مجلس المستشارين التأكيد على انخراط المجلس الكامل في دعم هذه الرؤية المشتركة، من خلال المبادرات التشريعية والدبلوماسية البرلمانية وتوظيف شبكة علاقاته الدولية، سواء عبر رئاسته لرابطة مجالس الشيوخ والشورى والمجالس المماثلة في إفريقيا والعالم العربي، أو من خلال جمعية مجالس الشيوخ في إفريقيا ومنتدى الحوار البرلماني جنوب-جنوب.
وأكد ان الهدف المشترك يتمثل في جعل الفضاء الأورو-متوسطي والخليجي والإفريقي فاعلاً مؤثراً في تشكيل النظام الاقتصادي العالمي الجديد، وقادراً على توفير شروط التنمية المستدامة والاستقرار والرفاه لفائدة شعوبه.
وختم ولد الرشيد كلمته بالدعوة إلى أن تفضي أشغال المنتدى إلى توصيات عملية ومبادرات قابلة للتنفيذ ترتقي إلى مستوى تطلعات الشعوب والبرلمانات، وتسهم في بناء مستقبل اقتصادي أكثر تكاملاً وازدهاراً واستقراراً.
نص الكلمة في “الفيديو”:

