ع شركيف / حدث كم: تعيش مدينتا فاس ومكناس منذ 3 أيام أزمة عطش غير مسبوقة بعد انقطاع كلي للماء الصالح للشرب بسبب كسر بالقناة الرئيسية القادمة من سد إدريس الأول. وتعود أسباب هذه الأزمة إلى توقف الإمداد من المصدر الرئيسي مما أدى لاستنزاف مخزون خزانات الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس ـ مكناس، ويرى مراقبون أن المكتب الوطني للماء الصالح للشرب متهم بالتأخر في الإصلاح الجذري رغم ظهور العطب منذ عيد الأضحى، والاعتماد على حلول ترقيعية لقنوات إسمنتية قديمة ومهترئة.
هذا، وقد تضرر مئات الآلاف من الأسر مع شلل شبه كامل للحياة اليومية مع تأثر كبار السن والمرضى. حيث العطش أخنق 3 ملايين مواطن ومدينة فاس بلا قطرة ماء في حزب الحر، أزمة اجتماعية وإنسانية حقيقية كشفت هشاشة البنية التحتية المائية، وطرحت أسئلة محرجة حول تدبير قطاع حيوي يرتبط مباشرة بحياة ملايين المواطنين وكرامتهم اليومية.
الواقع الذي عاشته الأسر الفاسية و المكناسية خلال اليومين الماضيين كان قاسيا بكل المقاييس. مواطنون لم يجدوا قطرة ماء لإطفاء العطش، أسر اضطرت إلى تقنين استهلاك ما تبقى لديها من مخزون، مواطنون تنقلوا بين الأحياء بحثا عن الآبار والنقط المائية، فيما وجد كبار السن والمرضى أنفسهم في وضع بالغ الصعوبة. حتى طقوس غسل الموتى وفق الشريعة الإسلامية تأثرت بالأزمة، في مشهد لم يكن أحد يتوقع أن تشهده مدينة بحجم فاس في سنة 2026.
الأزمة لم تكن تقنية فقط، بل تحولت إلى ضغط نفسي واجتماعي كبير. فالماء ليس مجرد خدمة عمومية، بل هو أساس الحياة والاستقرار والأمن الاجتماعي. وعندما يغيب الماء عن مدينة تضم مئات الآلاف من الأسر، فإن كل مظاهر الحياة اليومية تصبح مهددة بالشلل.
وفي خضم هذا الوضع الاستثنائي، من الضروري وضع الأمور في نصابها وتحميل المسؤولية للجهة التي تتحملها فعلا، بعيدا عن أي مزايدات أو محاولات لتوزيع المسؤوليات بشكل غير منصف.
الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس مكناس وجدت نفسها في قلب العاصفة، لكنها في الواقع كانت الحلقة الأخيرة في سلسلة التوزيع. فهذه المؤسسة لا تنتج الماء ولا تنقله من السدود، بل تتولى توزيع المياه التي تصلها عبر الشبكات والخزانات. وعندما تتوقف الإمدادات القادمة من المصدر الرئيسي، تصبح قدراتها محدودة للغاية مهما كانت التدابير التي تتخذها.
المعطيات المتوفرة تؤكد أن الشركة الجهوية حاولت، خلال الأيام السابقة، تدبير الوضع عبر توزيع الموارد المائية المتوفرة بشكل متوازن بين الأحياء، والاعتماد على المخزون الاحتياطي الموجود بالخزانات، غير أن استمرار توقف تدفق المياه القادمة من سد إدريس الأول أدى إلى استنزاف الاحتياطات بشكل كامل، لتصبح المدينة أمام واقع العطش.
المسؤولية التقنية المباشرة تبقى مرتبطة بالقناة الرئيسية التي يشرف عليها المكتب الوطني للماء الصالح للشرب، باعتباره الجهة المكلفة بإنتاج المياه ونقلها إلى مراكز التوزيع. وهو القطاع الذي كان مطالبا بالتدخل السريع والحاسم منذ ظهور أولى مؤشرات الخلل، خاصة أن المشكل لم يولد خلال الساعات الأخيرة، بل بدأت إرهاصاته منذ فترة عيد الأضحى الماضي، أي منذ حوالي شهر كامل.
خلال هذه الفترة، كان واضحا أن القناة تعرف اختلالات متكررة وأن عمليات الإصلاح والترقيع أصبحت تتكرر بشكل يثير الكثير من علامات الاستفهام. لكن بدل معالجة جذرية للمشكل، بدا أن الحلول الترقيعية ظلت الخيار السائد، إلى أن وقع الكسر الكبير الذي أدى إلى توقف التزويد بشكل شبه كامل.
كما أن التأخر المسجل في إصلاح العطب الأخير يطرح بدوره أسئلة مشروعة. فالمكتب الوطني أعلن في أكثر من مناسبة أن الأشغال متواصلة وأن الوضع تحت السيطرة، غير أن الساكنة كانت تنتظر النتائج على أرض الواقع وليس البلاغات فقط. وبين الوعود المتكررة بعودة التزويد والانقطاع المستمر، ازدادت حالة الاحتقان والتذمر وسط المواطنين.
إن ما وقع خلال الأيام الأخيرة يجب أن يكون نقطة تحول حقيقية في طريقة تدبير الأمن المائي بالجهة. فالأمن المائي لم يعد ترفا أو ملفا تقنيا محضا، بل أصبح جزءا من الأمن الاجتماعي والاستقرار العام. وعندما تضطر النساء والأطفال إلى الخروج بحثا عن الماء، وعندما تتوقف الحياة الطبيعية داخل آلاف المنازل بسبب انقطاع هذه المادة الحيوية، فإن الأمر يتجاوز حدود الأعطاب العادية.

