مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، تزداد حدة المنافسة داخل الأحزاب السياسية، ليس فقط حول البرامج الانتخابية أو اختيار المرشحين في الدوائر المحلية، بل أيضا حول اللوائح الجهوية المخصصة للنساء، التي أصبحت واحدة من أكثر الملفات حساسية داخل التنظيمات الحزبية، بعدما تحولت إلى بوابة أساسية للولوج إلى مجلس النواب.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تصاعدت وتيرة الحراك داخل عدد من الأحزاب لحسم أسماء المرشحات اللواتي سيحصلن على التزكية، في ظل تجاذبات تنظيمية وصراعات صامتة بين تيارات وقيادات حزبية، وسط تنافس محتدم بين أسماء ترى في هذه اللوائح فرصة شبه مضمونة للفوز بمقعد برلماني.
وتدور النقاشات داخل الهيئات الحزبية حول المعايير التي ينبغي اعتمادها في منح التزكيات، بين من يدافع عن أولوية الكفاءة والخبرة السياسية والحضور الميداني، وبين من يعتبر أن موازين القوى الداخلية والولاءات التنظيمية والتوازنات الجهوية تظل عوامل حاسمة في رسم خريطة المرشحات.
وجاء اعتماد اللوائح الجهوية الخاصة بالنساء في إطار تفعيل المقتضيات الدستورية الرامية إلى تعزيز المشاركة السياسية للمرأة والرفع من تمثيليتها داخل مجلس النواب، باعتبارها آلية للتمييز الإيجابي تهدف إلى تصحيح اختلال تاريخي في الحضور النسائي داخل المؤسسات المنتخبة.
غير أن التجربة التي راكمتها الأحزاب منذ اعتماد هذا النظام أعادت فتح النقاش حول مدى تحقيقه للأهداف التي أنشئ من أجلها، إذ يرى عدد من المتابعين أن هذه اللوائح تحولت في بعض الحالات إلى مجال لتدبير التوازنات الداخلية وتصفية الحسابات أو مكافأة المقربات من مراكز القرار الحزبي، أكثر من كونها فضاء لتمكين الكفاءات النسائية وإتاحة الفرصة أمام الطاقات القادرة على الإسهام في العمل التشريعي.
ويزداد هذا النقاش حدة بالنظر إلى استمرار ضعف حضور النساء في الترشيحات الخاصة بالدوائر المحلية، حيث تفضل أحزاب عديدة الدفع بأغلب مرشحاتها عبر اللوائح الجهوية، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى التزامها الفعلي بترسيخ مبدأ المناصفة وتوسيع مشاركة النساء في المنافسة الانتخابية المباشرة، بدل حصر حضورهن في المقاعد المخصصة لهن.
وينص القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب على تخصيص لوائح جهوية للنساء مع احتفاظهن بحق الترشح في الدوائر المحلية، كما سبق للمحكمة الدستورية أن أكدت في عدد من قراراتها أن هذه الآلية تندرج ضمن التدابير الاستثنائية الهادفة إلى تعزيز تمثيلية المرأة، على أن تبقى مرتبطة بتحقيق أهدافها الدستورية وألا تتحول إلى وضع دائم.
ومع اقتراب موعد إيداع الترشيحات، تتجه الأنظار إلى القرارات التي ستتخذها القيادات الحزبية، في ظل اشتداد التنافس بين عدد من الأسماء، وهو ما قد يفتح الباب أمام احتجاجات داخلية أو استقالات أو انتقالات سياسية في حال شعور بعض المرشحات أو داعميهن بالإقصاء.
وفي نهاية المطاف، يبقى الرهان الحقيقي ليس فقط في رفع عدد النساء داخل البرلمان، وإنما في ضمان وصول كفاءات نسائية تمتلك الخبرة والقدرة على التشريع والرقابة والدفاع عن قضايا المواطنين، بما يجعل اللوائح الجهوية آلية للإصلاح السياسي وتعزيز الديمقراطية، لا مجرد وسيلة لإعادة إنتاج التوازنات الحزبية أو توزيع الامتيازات التنظيمية.

