ليس من السهل اختزال خروج المنتخب الوطني المغربي من ربع نهائي كأس العالم 2026 في هزيمة بهدفين أمام فرنسا، كما لا يجوز أن يتحول المشوار الاستثنائي لـ”أسود الأطلس” إلى ذريعة تمنعنا من قراءة ما جرى فوق أرضية الملعب بعين نقدية هادئة. فالمنتخب المغربي غادر المونديال مرفوع الرأس، نعم، لكنه غادر أيضا مباراة كان فيها ياسين بونو يقاتل، في أوقات كثيرة، من أجل إبقاء الحلم المغربي على قيد الحياة، لكن الحقيقة التي لا تحتاج إلى كثير من المجاملة والنتيجة كان يمكن أن تكون أثقل لولا وجود حارس اسمه ياسين بونو!.
منذ الدقائق الأولى، بدا أن المغرب دخل المباراة بهدف أول هو الصمود، وثان هو الصمود، وثالث هو انتظار فرصة قد تأتي أو لا تأتي!، فتراجع المنتخب إلى الخلف، فأغلق المساحات، وكثف حضوره أمام منطقة الجزاء، لكنه في المقابل ترك الكرة والمبادرة والملعب للفرنسيين، فكان طبيعيا أن يتحول الضغط إلى موجات متتالية، وأن يصبح بونو أكثر من لاعبي المنتخب حضورا وتأثيرا.
وهنا تحديدا تكمن المفارقة، حين يعتمد اللاعبون اكثر على حارس المرمى لتبحث عن بطاقة التأهل إلى نصف نهائي كأس العالم، فهذا يعني أمرين في الوقت نفسه: “المنتخب يتملك حارسا استثنائيا، لكن المباراة لم تسر كما كان متوقعا!”.
بونو فعل كل ما يمكن أن يُطلب من حارس مرمى، وربما أكثر. تصدى لمحاولات خطيرة، وربح مواجهات مباشرة، وأغلق مرماه أمام فرص بدت أقرب إلى التسجيل منها إلى الضياع. وعندما وقف كيليان مبابي أمامه من ضربة الجزاء، كان الحارس المغربي في الموعد، قارئا للحظة، واثقا من نفسه، ومتمسكا بحلم بلد كامل.
ولذلك كان التصدي فرصة جديدة منحها بونو للمنتخب المغربي. لإعادة ترتيب الأوراق، والتقدم إلى الأمام، ليشير الى المنتخب الفرنسي بأن المغرب لم يأت إلى بوسطن فقط ليدافع عن مرماه، بل لينافس على بطاقة العبور، لكن تلك الرسالة لم تصل بالقوة المطلوبة، فظل المنتخب المغربي، خلال فترات طويلة من الشوط الأول، أسير الحذر. مع الانضباط الدفاعي وغلق المساحات، لكن لا يوجد دفاع في العالم يستطيع تحمل ضغط متواصل أمام منتخب يضم لاعبين من قيمة مبابي وديمبيلي ورفاقهما. وكلما طال زمن الحصار، ارتفعت احتمالات الخطأ، وتحول حارس العرين بونو من آخر خطة للدفاع إلى الخطة الأولى للبقاء في المباراة.
وهنا يجب أن يكون النقاش واضحا، فالامر لا يتعلق بالتقليل من قيمة مشوار اسود الاطلس، ولا بالبحث عن متهم بعد الهزيمة، وإنما بالسؤال عن حدود الحذر أمام المنتخبات الكبرى، لان المغرب الذي وصل إلى نصف نهائي مونديال قطر 2022، ثم عاد إلى ربع نهائي مونديال 2026، لم يعد منتخبا صغيرا يحتاج إلى قضاء تسعين دقيقة في حماية مرماه وانتظار خطأ من المنافس.
فالمنتخب المغربي راكم الخبرة، وأصبح يضم لاعبين في أعلى مستويات كرة القدم العالمية، ومثل القارة الافريقية والعربية احسن تمثيل، من خلال الانتصارات والمواعيد الكبرى. ولذلك، فإن احترام فرنسا بطلة العالم لفترتين متتاليتين كان ضروريا، لكن منحها كل هذا الوقت والكرة والمبادرة، فكانت مخاطرة تسببت في الاقصاء من المربع الذهبي.
والدليل جاء مع بداية الشوط الثاني، عندما تقدم “الأسود” إلى الأمام ورفعوا خطوطهم. تحرك عز الدين أوناحي، وبدأ إبراهيم دياز في إيجاد مساحات أفضل، وظهر المنتخب المغربي بصورة أكثر جرأة في تلك الدقائق، فاتضح أن فرنسا ليست فريقا يستحيل الضغط عليه، وأن المغرب كان قادرا على فرض أسئلة هجومية لو بدأ المباراة بثقة أكبر، لكن الجرأة التي تأتي متأخرة كثيرا ما تجد المباراة قد اختارت طريقها.
الامر الذي استغله ديكة فرنسا التي اخذت زمام المبادرة، ونجح مبابي في افتتاح التسجيل في الدقيقة الستين، قبل أن يضيف عثمان ديمبيلي الهدف الثاني بعد ست دقائق فقط. وفي لحظات قليلة انهار جدار صمد طويلا بفضل بونو، لأن الحارس، مهما بلغت قيمته، لا يستطيع أن يمنع كل شيء إلى الأبد.
ولذلك، فإن القول إن بونو أنقذ المغرب من هزيمة أثقل ليس قسوة على بقية اللاعبين، بل قراءة لما حدث وما تحمله الحارس من ضغط هائل ، ومنح المنتخب فرصا متكررة للبقاء في المواجهة، لكن كرة القدم لعبة جماعية، ولا يمكن بناء حلم التأهل على انتظار تصد جديد في كل مرة، ولم يكن بونو سببا في الخروج. لكن كان السبب في تأخير الخروج.
فخرجوا “أسود الأطلس” مرفوعي الرأس، ولا يمكن لهزيمة أمام فرنسا أن تمحو مشوارا استثنائيا أو تقلل من قيمة جيل وضع المغرب في مكان ثابت بين كبار كرة القدم العالمية، غير أن احترام الإنجاز لا يعني تعطيل النقد، بل العكس تماما. فالمنتخبات المراد الذهاب به الى أبعد.. لا يكتفي الاحتفال بما تحقق، بل بمراجعة اسباب منعه من تحقيق المزيد.
لقد انتهى زمن المفاجأة المغربية، ولم يعد العالم يتعامل مع “أسود الأطلس” كمنتخب يظهر مرة كل عدة عقود، بل كقوة كروية أصبحت مطالبة بتأكيد حضورها في كل بطولة، ومع هذه المكانة الجديدة يجب أن تتغير العقلية أيضا: “من فريق يركز على الصمود أمام الكبار، إلى فريق يجعل الكبار يفكرون في كيفية الصمود أمامه”.
حدث كم

