من انتخابات 2007 إلى استحقاقات 2026.. هل سيعود “الجرار” لاستكمال المسار المؤجل؟!

لم تكن الانتخابات التشريعية لسنة 2007 مجرد محطة عابرة في المسار السياسي المغربي، بل شكلت لحظة كاشفة عن أزمة ثقة متنامية بين المواطن والعمل الحزبي. فقد سجلت تلك الاستحقاقات عزوفاً انتخابياً لافتا، في وقت كان فيه حزب العدالة والتنمية يتقدم بخطوات متسارعة، مستفيدا من تراجع شعبية عدد من الأحزاب التقليدية، وضعف التأطير، وانحسار ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.

وكان التخوف السائد آنذاك أن يتحول العزوف الانتخابي إلى جسر يعبر منه التيار الإسلامي نحو تصدر المشهد السياسي. ومن هنا انطلقت عملية لإعادة ترتيب الحقل الحزبي، بعدما قرر فؤاد عالي الهمة، الذي كان يوصف بـ”مهندس السياسة”، مغادرة منصبه وزيرا منتدبا في “ام الوزارات” والنزول إلى الميدان الانتخابي بلائحة مستقلة في دائرة الرحامنةـ حيث تمكنت اللائحة التي كان يقودها من حصد المقاعد الثلاثة المخصصة للدائرة، قبل أن تبدأ مشاورات لدمج “خمسة احزاب”  للدخول السياسي في اكتوبر من السنة ذاتها بفريق نيابي جديد. تولى نجيب الوزاني، الأمين العام لحزب العهد”المندمج”  آنذاك،  والنائب البرلماني عن إقليم الناظور، رئاسة هذا الفريق، في خطوة مهدت لإطلاق “حركة لكل الديمقراطيين”، وبعدها ثم تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008.

وحمل الحزب الجديد رمز “الجرار”، في مشروع سياسي أراد حرث ما تبقى من أراضي السياسة القاحلة، وتجميع نخب وأعيان وفعاليات قدمت من تجارب وانتماءات متعددة،  سرعان ما تحول إلى قوة انتخابية صاعدة، بدا أنها أُعدت لإحداث توازن داخل المشهد الحزبي ومواجهة التمدد المتزايد لحزب العدالة والتنمية.

غير أن رياح ما سمي بـ”الربيع العربي”، او  بـ”الخريف العربي” بالنظر إلى ما خلفته من انهيارات وفوضى في عدد من البلدان، وصلت ارتداداتها إلى المغرب، وعلى الرغم من اختلاف التجربة المغربية عن تجارب دول المنطقة، فقد فرض حراك 2011 إيقاعا سياسيا واجتماعيا جديدا، تُوج بإقرار دستور جديد وتنظيم انتخابات تشريعية سابقة لأوانها.

فأربكت تلك الرياح الحسابات السياسية، وتراجع “الجرار” إلى الخلف، ليجد حزب العدالة والتنمية الطريق معبدا نحو تصدر انتخابات 25 نونبر 2011 بحصوله على 107 مقاعد. لم يحقق الحزب أغلبية مطلقة، لكنه قاد ائتلافا حكوميا غاب عنه حزب الأصالة والمعاصرة، الذي انتقل إلى موقع المعارضة، واستمر الحزب ذو المرجعية الإسلامية في رئاسة الحكومة لما يقارب عشر سنوات.

ورغم الصراعات والتحالفات المتحركة، حافظ العدالة والتنمية على موقعه خلال انتخابات 2016، بل رفع رصيده إلى 125 مقعداً. غير أن الحزب دخل بعد ذلك مرحلة أكثر تعقيدا، بدأت بأزمة تشكيل الحكومة، أو ما عُرف إعلامياً بـ”البلوكاج”، وانتهت بإعفاء عبد الإله ابن كيران من مهمة تشكيلها وتكليف سعد الدين العثماني.

لم تكن تلك الأزمة مجرد تعثر عابر في مفاوضات تشكيل الأغلبية، بل شكلت بداية تصدعات داخلية عميقة، كشفت عن خلافات بين قيادة الحزب وقواعده، وأضعفت حضوره على مستوى التدبير الحكومي. وقد تزامن ذلك مع تنازلات سياسية واجتماعية، وتحولات في النظام الانتخابي، وتراجع ثقة شرائح واسعة من قاعدته التي كانت تنظر إليه باعتباره بديلاً عن الأحزاب التقليدية.

وفي انتخابات 8 شتنبر 2021 تلقى الحزب هزيمة قاسية، بعدما تراجع تمثيله من 125 إلى 13 مقعداً فقط، في مقابل تصدر التجمع الوطني للأحرار للنتائج، وتشكيله أغلبية حكومية ثلاثية إلى جانب حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال.

لكن نتائج 2021 لم تُنه التنافس داخل الأغلبية الجديدة، بل نقلته إلى مستوى آخر. فالطرف الذي تحمل الكلفة السياسية والمالية والتنظيمية للوصول إلى رئاسة الحكومة لم يكن مستعدا، على ما يبدو لتقاسم النفوذ بالقدر نفسه مع حلفائه،  وفي المقابل، وجد “الجرار”، الذي انتظر سنوات طويلة للوصول إلى مركز القرار الحكومي، نفسه شريكا في حكومة يقودها حزب “التغول” حسب ادريس لشكر، رغم احتلاله المرتبة الثانية.

وبعد المؤتمر الوطني للأصالة والمعاصرة سنة 2024، اختار الحزب قيادة جماعية ثلاثية، في تجربة غير مألوفة داخل الحياة الحزبية المغربية. غير أن هذا الاختيار جعل “الجرار” يبدو، في نظر خصومه وبعض المراقبين، كأنه يسير بثلاث عجلات تبحث عن التوازن والانسجام، خصوصاً مع اقتراب انتخابات 2026 واشتداد المنافسة بين مكونات الأغلبية نفسها.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم الحديث المتزايد عن حاجة الحزب إلى استقطاب أسماء وازنة تمنحه دفعة سياسية وانتخابية جديدة. ويبرز، في هذا السياق، اسم فوزي لقجع، الذي راكم حضورا قويا في تدبير المالية العمومية وكرة القدم، ونسج شبكة واسعة من العلاقات داخل المغرب وعلى المستويين الإفريقي والدولي، ليكون مشروع رئيس حكومة “المونديال” التي اضحت تتداول في كل مكان.

وإذا تأكد هذا التوجه، فلن يتعلق الأمر بمجرد التحاق اسم جديد بحزب سياسي، بل بحجر ثقيل يُلقى في مياه سياسية راكدة. فلقجع يمتلك ثقلا مؤسساتيا وإشعاعا قاريا ودوليا، كما يرتبط اسمه بكرة القدم التي تحولت إلى قوة ناعمة شديدة التأثير في الراي العام، وقد يمنح وجوده المحتمل ضمن “ركاب الجرار” قدرة أكبر على منافسة حزب “الميزان” الذي بدأ من الان يعاني مرة اخرى كما عاناه من قبل بسبب “هروب” بعض القادة واتباعه الى “الكفة” الغالبة مستقبلا، و “الحمامة”، التي بدأ  «ترييشها»، وفق التعبير الذي استعملته فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية للأصالة والمعاصرة، في سياق انتقادها لحزب التجمع الوطني للأحرار.

ومع ذلك، فإن اختزال مستقبل الانتخابات في هندسة التحالفات واستقدام الشخصيات النافذة يظل قراءة لها اكثر من معنى. فالناخب المغربي تغير وأصبح أكثر قدرة على معاقبة الأحزاب التي لا تفي بوعودها، كما أن الغلاء والبطالة وتراجع القدرة الشرائية وأزمة الخدمات الصحية والتعليمية ستكون أكثر حضورا في صناديق الاقتراع من الرموز .

ولهذا، تكون التحركات الجارية، إذن، محاولة لإعادة بناء التوازن داخل “الجرار”، وترتيب موازين القوى قبل انتخابات 2026، وربما استكمال مشروع سياسي  بدأ  بعد انتخابات 2007 وتعثر بفعل تحولات 2011. لكن السياسة لا تسير دائماً وفق السيناريوهات المرسومة داخل الغرف المغلقة؛ فقد أثبتت محطات 2011 و2016 و2021 أن الأحداث الاجتماعية ومزاج الناخبين قادران على قلب الحسابات وتغيير الاتجاهات معا.

وفي انتظار ما ستكشف عنه الأيام المقبلة، يظل السؤال مطروحا: هل نحن أمام استكمال لما بدأ سنة 2007 وتعطل بعد حراك 2011، أم أمام مشهد سياسي جديد لا يشبه السيناريوهات السابقة؟

الجواب لن تصنعه هندسة التحالفات وحدها، ولن تحسمه الأسماء الثقيلة مهما بلغ نفوذها، بل ستحدده صناديق الاقتراع ومدى قدرة الأحزاب على استعادة ثقة المواطن في السياسة والعمل الحزبي.

ح/ع.ع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.