المغرب بوابة الجيش الأمريكي لاختبار الأنظمة العسكرية خارج الولايات المتحدة

اختيار المغرب منصة دولية لاختبارات الجيش الأمريكي.. شراكة دفاعية تتجاوز التدريبات التقليدية ، لا يمكن التعامل مع اختيار المغرب موقعاً دولياً وحيداً ضمن شبكة أمريكية جديدة لاختبار الأنظمة العسكرية باعتباره مجرد قرار تقني مرتبط بتوفير ميدان للتجارب، بل هو مؤشر على تحول نوعي في طبيعة الشراكة الدفاعية بين الرباط وواشنطن، وانتقالها تدريجياً من التعاون التقليدي في مجالي التدريب والمناورات إلى الاندماج في منظومة تطوير القدرات العسكرية المستقبلية.

وتضم الشبكة الجديدة خمسة مواقع، أربعة منها داخل الولايات المتحدة، بينما يحتضن المغرب الموقع الوحيد خارج الأراضي الأمريكية. وهذه الخصوصية تمنح القرار أبعاداً سياسية واستراتيجية تتجاوز الجانب العسكري المباشر، لأنها تعكس مستوى الثقة الذي باتت تحظى به المملكة لدى دوائر القرار الدفاعي الأمريكي.

فاختيار بلد أجنبي لاحتضان تجارب مرتبطة بأنظمة عسكرية جديدة يتطلب، إلى جانب البنيات المناسبة، درجة عالية من التنسيق الأمني والاستقرار السياسي والقدرة على حماية المعطيات المرتبطة بالاختبارات. كما يفترض توافقاً استراتيجياً طويل المدى بين الطرفين، وهو ما راكمه المغرب والولايات المتحدة عبر عقود من التعاون العسكري.

ولا ينفصل هذا الاختيار عن موقع المغرب الجغرافي. فالمملكة توجد عند ملتقى المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، وعلى مقربة من أوروبا ومنطقة الساحل وغرب أفريقيا، ما يجعلها منصة مثالية لاختبار أنظمة موجهة إلى بيئات ومجالات عمليات مختلفة. كما تمنح طبيعة تضاريسها المتنوعة إمكانات واسعة للتدريب وإجراء التجارب متعددة المجالات.

ويرتبط المشروع الجديد أيضاً برغبة الجيش الأمريكي في تقليص المدة الفاصلة بين تطوير الأنظمة العسكرية وتجريبها ميدانياً. فبعدما كانت الشركات تنتظر في بعض الحالات سنة أو أكثر للحصول على موعد للاختبار، تراهن المنظومة الجديدة على تقليص هذه المدة إلى نحو 30 يوماً، بما يسرع إدماج الأنظمة الواعدة في برامج الاقتناء العسكري.

ومن شأن إشراك الموقع المغربي في هذه الآلية أن يحول المملكة إلى حلقة ضمن سلسلة تطوير القدرات الدفاعية الأمريكية، وليس فقط إلى فضاء لاحتضان المناورات الدولية. ويتجلى ذلك في تسجيل أول تجربة بارزة بالموقع المغربي، وفق المعطيات المتداولة، بعد اختبار شركة «كوفينانت إندستريز» صاروخها الاعتراضي «أنثم».

ويأتي هذا التطور امتداداً لمسار بدأ يتضح مع الإعلان عن مشروع إحداث مركز أفريقي للتدريب والتجارب متعددة المجالات، في إطار مذكرة تفاهم بين القوات المسلحة الملكية والقيادة الأمريكية في أفريقيا. ويكشف هذا التوجه أن واشنطن تنظر إلى المغرب باعتباره شريكاً قادراً على احتضان بنية دفاعية تخدم التعاون العسكري على المستوى القاري، وليس مجرد حليف تستعين به خلال المناورات الدورية.

وقد يفتح هذا الموقع أمام المغرب فرصاً للاستفادة من الخبرة الأمريكية في مجالات البحث والتطوير والتدريب، والاطلاع المبكر على بعض الأنظمة الدفاعية الجديدة، فضلاً عن تعزيز تأهيل الكفاءات العسكرية والتقنية الوطنية. كما يمكن أن يساهم في دعم طموح المملكة إلى بناء صناعة دفاعية محلية، خصوصاً بعد وضع إطار قانوني يسمح بتطوير وتصنيع المعدات والأنظمة المرتبطة بالدفاع والأمن.

غير أن القيمة الحقيقية لهذا الاختيار ستظل مرتبطة بحجم استفادة المغرب منه. فاحتضان الاختبارات وحده لا يكفي لتحقيق نقلة صناعية أو تكنولوجية ما لم ترافقه شراكات تشمل نقل المعرفة، وتكوين المهندسين والتقنيين، وإشراك المقاولات الوطنية ومراكز البحث المغربية في بعض مراحل التطوير والإنتاج.

ويحمل القرار أيضاً رسالة جيوسياسية واضحة إلى دول المنطقة، مفادها أن المغرب بات يحتل موقعاً متقدماً في التصور الدفاعي الأمريكي بأفريقيا. وهذا الموقع لا يقوم فقط على صفقات التسليح، بل يتجه نحو بناء بنية تعاون دائمة تشمل المناورات والتدريب والتجريب والابتكار العسكري.

وفي ظل التحولات الأمنية المتسارعة بمنطقة الساحل وتصاعد التنافس الدولي داخل القارة الأفريقية، تبحث الولايات المتحدة عن شركاء مستقرين يتمتعون بالمصداقية والقدرة على مواكبة التحديات الجديدة. ويبدو أن اختيار المغرب موقعاً خارجياً وحيداً ضمن هذه الشبكة يندرج ضمن هذا التصور، ويؤكد أن العلاقة بين البلدين دخلت مرحلة تتجاوز منطق الحليف التقليدي إلى شراكة دفاعية أكثر عمقاً.

ويبقى الرهان المغربي قائماً على تحويل هذه الثقة السياسية والعسكرية إلى مكاسب تكنولوجية واقتصادية ملموسة، بما يتيح للمملكة الانتقال من استضافة التجارب إلى المشاركة في تطوير الأنظمة، ومن اقتناء المعدات العسكرية إلى المساهمة، تدريجياً، في صناعتها وإنتاجها

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.