عبد الله بوصوف: العلاقات المغربية الإسبانية أمام اختبار التأثير المتبادل وتجاوز هواجس النفوذ

لم تعد العلاقات المغربية الإسبانية تُختزل في ملفات الأمن والهجرة والتجارة، بل أصبحت تتقاطع مع قضايا أكثر حساسية وعمقاً، في مقدمتها الدين والثقافة والهوية. فالجوار الجغرافي والتاريخ المشترك والمصالح الاقتصادية الواسعة، إلى جانب الحضور الكبير للجالية المغربية في إسبانيا، جعلت من البعد الثقافي والديني أحد المكونات الأساسية للعلاقات بين البلدين.

ويؤكد الدكتور عبد الله بوصوف أن وجود نحو مليون مغربي في إسبانيا، إلى جانب قرابة مليوني مسلم، يجعل من الصعب فصل الشأن الديني والثقافي عن العلاقات الثنائية. فالجالية المغربية ليست مجرد قوة اقتصادية أو رقم في معادلة الهجرة، وإنما هي مجتمع بشري يحمل ذاكرة ولغة وروابط أسرية وثقافية ودينية ممتدة إلى المغرب.

وفي هذا السياق، يطرح بوصوف مسألة الحذر الإسباني تجاه بعض مظاهر الحضور المغربي في المجال الديني والثقافي، مع التأكيد على ضرورة التمييز بين المؤسسات والسياسات والممارسات المختلفة، وعدم تعميم الأحكام على الدولة الإسبانية أو المجتمع الإسباني.

وتبرز اتفاقية التعاون الموقعة سنة 1992 بين الدولة الإسبانية والتمثيلية الإسلامية باعتبارها إطاراً قانونياً مهماً لتنظيم ممارسة المسلمين لشعائرهم وحقوقهم الدينية. غير أن التجربة العملية كشفت، بحسب بوصوف، عن وجود فجوة بين الاعتراف القانوني وبين التطبيق، في ظل استمرار التعدد والانقسام داخل التمثيلية الإسلامية، وهو ما انعكس على قدرة المسلمين على تحويل الحقوق المنصوص عليها قانوناً إلى ممارسة متكاملة.

ويرى بوصوف أن النقاش يصبح أكثر حساسية عند الحديث عن المرجعية الدينية المغربية، القائمة على إمارة المؤمنين والمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، والتي تشكل الإطار الديني الذي يرتبط به جزء كبير من المغاربة المقيمين بإسبانيا.

كما يثير الكاتب قضية التمويل الأجنبي للمساجد والمراكز الإسلامية في إسبانيا، مشيراً إلى وجود مؤسسات استفادت من مساهمات خارجية، خصوصاً من بعض الدول الخليجية. ويعتبر أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بتوجيه الاتهام إلى الجهات الممولة، وإنما بضرورة اعتماد معايير واضحة ومتوازنة في التعامل مع مختلف أشكال الحضور الديني الأجنبي.

ومن هذا المنطلق، يطرح بوصوف تساؤلاً حول سبب تحول بعض أشكال التواصل الديني والثقافي المغربي إلى مصدر للحذر، في حين يُنظر إلى أشكال أخرى من الحضور الديني الأجنبي باعتبارها أمراً طبيعياً. فالمغرب، بالنسبة للجالية المغربية في إسبانيا، ليس بلداً أجنبياً بالمعنى المجرد، بل هو بلد الأصل والذاكرة والأسرة والمرجعية الثقافية والدينية.

ولا يقتصر النقاش على الدين، إذ تمتد الأسئلة نفسها إلى مجال التعليم والثقافة، وخاصة تعليم اللغة العربية والتعريف بالثقافة المغربية لأبناء الجالية. فالاتفاقات الثنائية بين الرباط ومدريد وضعت أطرًا للتعاون في هذا المجال، الأمر الذي يجعل احترام الالتزامات المتبادلة عنصراً أساسياً في بناء الثقة بين البلدين.

ويرى بوصوف أن الحفاظ على اللغة والثقافة المغربية لا يتعارض مع الاندماج في المجتمع الإسباني، بل إن الاندماج الحقيقي لا يعني التخلي عن الجذور. فالمواطن المغربي الذي يعيش أو يحمل جنسية إسبانية يستطيع أن يكون جزءاً فاعلاً من المجتمع الإسباني، وفي الوقت نفسه يحافظ على لغته وثقافته وصلاته الأسرية والاجتماعية بالمغرب.

ويشدد الكاتب، في هذا السياق، على ضرورة التمييز بين التأثير والتدخل. فالتأثير الثقافي والديني والاجتماعي ظاهرة طبيعية في العلاقات الدولية، بينما التدخل في الشؤون الداخلية يخضع لقواعد قانونية وسياسية مختلفة. ومن ثم، فإن مجرد التواصل مع مؤسسات مغربية ثقافية أو دينية لا ينبغي أن يتحول تلقائياً إلى قرينة على وجود نشاط غير مشروع، ما لم تكن هناك وقائع وأدلة تستوجب التدخل القانوني.

وتبرز هنا مفارقة أخرى في العلاقات المغربية الإسبانية؛ فإسبانيا تتمتع بحضور ثقافي وتعليمي واسع داخل المغرب، من خلال اللغة والمؤسسات الثقافية والجامعات والشراكات المختلفة، وهو حضور يُنظر إليه باعتباره جزءاً طبيعياً من الدبلوماسية الثقافية. وبالمقابل، يرى بوصوف أن منطق العلاقات المتوازنة يقتضي التعامل مع الحضور الثقافي والديني المغربي في إسبانيا بالمنطق نفسه، ما دام يتم في إطار القانون والشفافية واحترام المؤسسات.

ويخلص الدكتور عبد الله بوصوف إلى أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في التأثير ذاته، وإنما في النظرة الأحادية إليه؛ فلا يمكن أن يكون تأثير طرف مشروعاً وطبيعياً، بينما يُنظر إلى تأثير الطرف الآخر باعتباره مصدر قلق دائم.

فالمغرب وإسبانيا لم يعودا مجرد دولتين متجاورتين يفصل بينهما مضيق جبل طارق، بل أصبحا شريكين تجمعهما مصالح اقتصادية وأمنية وإنسانية واسعة، فضلاً عن ملايين الروابط التي صنعتها الهجرة والتاريخ والجوار.

ومن هنا، فإن المستقبل يفرض الانتقال من منطق هواجس النفوذ إلى منطق التأثير المتبادل، ومن إدارة العلاقة بمنطق الشك إلى تدبيرها بمنطق الثقة والشفافية والاحترام المتبادل.

فالمغرب لا يحتاج إلى إلغاء الحضور الإسباني في مجالات الثقافة والتعليم داخل المملكة، كما أن إسبانيا ليست مطالبة بإغلاق أبوابها أمام الحضور الثقافي والديني المغربي. المطلوب هو بناء علاقة متوازنة تعترف بأن التأثير المتبادل جزء طبيعي من العلاقات بين بلدين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح والمجتمعات.

إن المصير المشترك بين المغرب وإسبانيا لا يعني تطابق الهويات، وإنما يعني القدرة على إدارة التنوع والاختلاف باحترام، وتحويل الروابط الثقافية والدينية والبشرية من مصدر للتوجس إلى رصيد استراتيجي يعزز الشراكة بين البلدين

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.