تدخل دائرة سلا المدينة سباق الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، وهي تحمل معها كل عناصر المنافسة المفتوحة؛ أربعة مقاعد برلمانية، وأسماء راكمت خبرة طويلة في تدبير الاستحقاقات، ووجوه أحدث سنا تسعى إلى فرض حضورها، فضلا عن انتقالات حزبية أعادت توزيع بعض الأوراق من دون أن تغيّر بالضرورة طبيعة اللعبة الانتخابية داخل المدينة.
ويجري هذا السباق في موسم سياسي لا يقل تقلبا عن صيف هذه السنة، وسط ارتفاع حرارة الصراع بين الأحزاب والمرشحين، وسعي كل طرف إلى تأمين موقع له داخل مجلس النواب خلال الولاية التشريعية الممتدة من 2026 إلى 2031.
وتبدو المنافسة، في ظاهرها، موزعة بين أربعة أسماء بارزة: إدريس السنتيسي مرشح حزب الاستقلال، ومحمد عواد عن حزب التقدم والاشتراكية، وعمر الأزرق باسم التجمع الوطني للأحرار، وعماد الريفي مرشح حزب الأصالة والمعاصرة. غير أن اختزال المعركة في هذه الأسماء وحدها قد يكون مجازفة، لأن الانتخابات في سلا كثيرا ما تخضع لمعادلات محلية دقيقة، وقد تسمح لأحد المنافسين الآخرين باختراق جدار من يوصفون بـ«حرايفية الانتخابات».
يتقدم إدريس السنتيسي السباق باعتباره واحدا من أكثر الأسماء خبرة في المشهد السياسي السلاوي. فقد قضى أزيد من ثلاثة عقود داخل الحركة الشعبية، قبل أن يغادر «حقل السنبلة» ويلتحق بحزب الاستقلال، ليخوض هذه المرة المنافسة بلون سياسي جديد.
ولا يغير انتقال السنتيسي إلى «الميزان» من حقيقة أن قوته الانتخابية ترتبط أساسا بخبرته الشخصية وشبكة العلاقات التي نسجها داخل المدينة، فضلا عن معرفته الدقيقة بمسالك الانتخابات وموازين القوى داخل الأحياء والمقاطعات. غير أن هذا الانتقال يضعه أيضا أمام اختبار صعب: هل ظلت كتلته الانتخابية مرتبطة بشخصه أم أنها كانت، جزئيا على الأقل، مرتبطة بالحركة الشعبية؟
السنتيسي لا يدخل السباق باعتباره وجها جديدا يبحث عن التعريف بنفسه، بل مرشحا يعرف الساحة ويعرفه خصومه، ويملك خبرة في تحويل الحضور المحلي إلى أصوات. لكن لون الاستقلال سيحتاج إلى إثبات قدرته على احتضان الرصيد الذي راكمه الرجل تحت رمز السنبلة، خصوصا أن الحزب لم يفز بأي من مقاعد الدائرة الأربعة سنة 2021، بعدما حل خامسا بـ5428 صوتا.
أما محمد عواد، مرشح حزب التقدم والاشتراكية، فيمثل القطب الثاني للخبرة الانتخابية. فقد تمكن خلال استحقاقات 2021 من انتزاع مقعد برلماني بعدما حصل «حزب الكتاب» على 7577 صوتا، ليمنح الحزب موقعا داخل دائرة كان التنافس فيها قويا بين أحزاب ذات حضور تنظيمي وانتخابي أكبر.
ويراهن عواد على الحفاظ على المقعد الذي أحرزه قبل خمس سنوات، مستفيدا من تجربة انتخابية سابقة ومن شبكة علاقات محلية. غير أن مهمته لن تكون سهلة، لأن الدفاع عن المقعد غالبا ما يكون أصعب من انتزاعه؛ إذ يجد المرشح نفسه مطالبا بتقديم حصيلة ولايته البرلمانية، والإجابة عن سؤال الحضور والتواصل والدفاع عن قضايا المدينة، وليس الاكتفاء بتجديد الوعود نفسها.
وفي الجهة المقابلة، يدفع التجمع الوطني للأحرار بعمر الأزرق، الذي يخلف والده نور الدين الأزرق، أحد الوجوه السياسية والانتخابية المعروفة في سلا. ويعكس هذا الاختيار رغبة «الحمامة» في ضمان استمرارية نفوذ انتخابي راكمته عائلة الأزرق داخل المدينة، مع تقديم وجه شاب يحمل الاسم نفسه ويحاول بناء مسار سياسي خاص به.
ويستفيد عمر الأزرق من إرث انتخابي وتنظيمي جاهز، ومن وجود حزب تصدر نتائج دائرة سلا المدينة سنة 2021 بحصوله على 10893 صوتا. غير أن وراثة شبكة انتخابية لا تعني تلقائيا وراثة ثقة الناخبين؛ إذ سيكون عليه إثبات أنه ليس مجرد امتداد عائلي، وإنما مرشح قادر على مخاطبة الجيل الجديد وفهم التحولات الاجتماعية التي عرفتها المدينة.
كما يواجه مرشح «الحمامة» عبء حصيلة حزبه الحكومية، لأن الانتخابات التشريعية لا تجري فقط على أساس الأشخاص، بل تتحول أيضا إلى مناسبة لتقييم أداء الأغلبية، خصوصا في ملفات القدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم. ولذلك، سيحاول عمر الأزرق الاستفادة من قوة التنظيم وشبكة والده، بينما سيعمل منافسوه على تحويل التصويت إلى محاكمة للحصيلة الحكومية.
أما حزب الأصالة والمعاصرة، فقد زكى عماد الريفي وكيلا للائحته بدائرة سلا المدينة. والريفي ليس وافدا من خارج المجال الانتخابي، بل نائب برلماني خلال الولاية الحالية ورئيس مجلس مقاطعة بطانة، ما يوفر له حضورا ميدانيا وشبكة من العلاقات مع المنتخبين والفاعلين المحليين.
ويخوض مرشح «الجرار» معركة الحفاظ على المقعد الذي حصل عليه الحزب سنة 2021، عندما حل ثانيا في الدائرة بـ9768 صوتا، وفاز بالمقعد رشيد العبدي. ويشكل تغيير وكيل اللائحة اختبارا لقدرة الأصالة والمعاصرة على نقل رصيده من اسم إلى آخر، في وقت يعول فيه الريفي على موقعه داخل مقاطعة بطانة وعلى الزخم السياسي الذي يحاول الحزب خلقه وطنيا.
وبذلك، لا تبدو المواجهة ببساطة صراعا بين مرشحين قدامى وشابين، بقدر ما هي منافسة بين أربعة نماذج انتخابية: خبرة شخصية عابرة للأحزاب يمثلها السنتيسي، ومقعد قائم يسعى عواد إلى الدفاع عنه، وإرث عائلي وتنظيمي يحاول عمر الأزرق تجديده، وحضور ترابي وبرلماني يراهن عليه عماد الريفي.
غير أن المقاعد الأربعة ليست محجوزة سلفا لهذه الأسماء. فالحركة الشعبية، التي فقدت السنتيسي، تدخل المنافسة بصلاح الدين بلحسن، وتسعى إلى إثبات أن رصيدها في سلا لم يغادر الحزب بالكامل. كما يراهن حزب العدالة والتنمية على كمال الكوشي لاستعادة جزء من النفوذ الذي كان يتمتع به «المصباح» داخل المدينة، بينما يخوض الاتحاد الاشتراكي المنافسة بعبد الكريم الحسيني، ويشارك تحالف اليسار بإدريس حماد.
وقد يمنح تشتت الأصوات واحتدام المنافسة أحد هذه الأسماء فرصة اختراق الرباعي المتصدر، خصوصا إذا تمكن من بناء حملة قريبة من المواطنين واستثمار حالة التذمر من الأحزاب التي تحملت مسؤولية التدبير الحكومي أو المحلي.
وتكشف نتائج 2021 أن الفوارق بين الأحزاب الفائزة لم تكن مستحيلة التجاوز. فقد حصل التجمع الوطني للأحرار على 10893 صوتا، والأصالة والمعاصرة على 9768، والتقدم والاشتراكية على 7577، والحركة الشعبية على 5862 صوتا. وذهبت المقاعد إلى نور الدين الأزرق، ورشيد العبدي، ومحمد عواد، وإدريس السنتيسي.
لكن خريطة 2026 تختلف عن الخريطة السابقة؛ نور الدين الأزرق ترك مكانه لابنه عمر، ورشيد العبدي عوضه «البام» بعماد الريفي، والسنتيسي غادر الحركة الشعبية نحو الاستقلال، بينما يحاول محمد عواد الدفاع عن مقعده بلون «الكتاب». وبذلك تغيرت مواقع الأشخاص والرموز، لكن جزءا مهما من الخبرة والشبكات الانتخابية ظل حاضرا.
وهنا يطرح السؤال المركزي: هل ستشهد سلا المدينة تغييرا سياسيا حقيقيا، أم أن الأمر لن يتجاوز إعادة توزيع الأسماء نفسها على ألوان حزبية مختلفة؟
هذا السؤال يكتسب مشروعيته من واقع الممارسة الانتخابية التي كثيرا ما تجعل الأشخاص والشبكات المحلية أكثر تأثيرا من البرامج. فالأحزاب تقدم خلال كل موسم انتخابي وثائق مليئة بالوعود حول التشغيل والنقل والسكن والصحة والتعليم وتأهيل الأحياء، لكنها نادرا ما تعود بعد انتهاء الولاية لتقدم للساكنة حصيلة دقيقة حول ما تحقق وما تعذر إنجازه وأسباب ذلك.
بالنسبة إلى مدينة بحجم سلا، لا ينبغي أن تختزل الانتخابات في قدرة المرشح على تعبئة أنصاره أو إدارة يوم الاقتراع. فالمدينة تواجه اختلالات حقيقية ترتبط بالنقل والازدحام والسكن غير اللائق وضعف بعض البنيات الصحية والتعليمية والبطالة والنظافة وتأهيل المدينة العتيقة والفوارق بين المقاطعات. وهي ملفات تستحق تعاقدا واضحا وقابلا للقياس، لا مجرد شعارات موسمية.
وتبقى الخبرة الانتخابية سلاحا ذا حدين، فهي تمنح المرشح معرفة بالميدان وقدرة على التواصل وتدبير الحملة، لكنها تضعه أيضا أمام سؤال الحصيلة. أما الشباب، فلا يكفي وحده ليشكل عنوانا للتجديد، إذا كان المرشح يعتمد على الشبكات القديمة أو يعيد إنتاج الأساليب نفسها.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي في انتخابات 23 شتنبر ليس فقط معرفة من سيفوز بالمقاعد الأربعة، بل تحديد ما إذا كان الناخب السلاوي سيصوت للأسماء والشبكات المألوفة، أم سيجعل من البرامج والحصيلة والكفاءة معيارا لاختياره.
وسط كل هذه التكهنات، تظل الكلمة الأخيرة لساكنة سلا المدينة، هل تعيد الصناديق إنتاج خريطة قريبة من سنة 2021 بأسماء وألوان معدلة؟، كما قد تحمل مفاجأة تسمح لمرشح أو اثنين باختراق دائرة “الحرايفية”؟.
ح/ا

