بلا حشمة: “المعيور” الانتخابي.. بين “مهبول الحمامة” و “سيرك الجرار”.. في حكومة واحدة بخطابين متناقضين..! + “الفيديو”
لم تنتظر بعض الأحزاب حلول موعد الحملة الانتخابية الرسمية، المقرر انطلاقها يوم 10 شتنبر الجاري، حتى تبدأ معاركها السياسية. فخلال الجولات التي تشهدها الأقاليم واستعراضات القوة التي تنظمها القيادات الحزبية، ارتفعت حدة الخطاب، وانتقل التنافس بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة من محاولة إقناع الناخبين إلى ما يشبه «المعيور» السياسي المفتوح.
وهذه ليست مجرد مشادات عابرة بين حزبين يتنافسان على مقاعد البرلمان، بل مواجهة بين وزراء ومسؤولين ينتمون إلى حكومة واحدة، ويواصلون تدبير قطاعاتها والاجتماع داخل مجلسها الحكومي. لذلك، فإن خطورة ما يجري لا تكمن فقط في طبيعة العبارات المتبادلة، وإنما في التناقض بين الخطاب الحزبي والممارسة الحكومية.
دخول فوزي لقجع بقوة إلى الساحة السياسية لم يكن حدثاً عادياً في الحسابات الانتخابية. فالرجل لا يدخل المنافسة من موقع حزبي تقليدي، بل يحمل معه رصيداً من الحضور داخل مؤسسات الدولة والرياضة والتدبير المالي، فضلاً عن شبكة علاقات وقدرة كبيرة على استقطاب المنتخبين والتأثير في الخريطة المحلية. ولهذا تحولت تحركاته إلى عامل ضغط على خصوم «الجرار»، وفي مقدمتهم حزب «الحمامة».
ويبدو أن التجمع الوطني للأحرار، بقيادة محمد شوكي، وجد نفسه أمام امتحان لم يكن يتوقعه بهذه السرعة. فبعد مغادرة عزيز أخنوش رئاسة الحزب، دخل التنظيم مرحلة إعادة ترتيب الأوراق ومحاولة إنتاج قيادة جديدة قادرة على حماية الإرث السياسي والتنظيمي للمرحلة السابقة. غير أن صعود لقجع، وما رافقه من حركية داخل الأصالة والمعاصرة، أعادا خلط الحسابات، وأظهرا أن المنافسة المقبلة لن تكون هادئة.
ومن هنا يمكن فهم عودة أخنوش إلى الواجهة بكثافة، رغم أنه لم يعد الرئيس الرسمي للتجمع الوطني للأحرار. فحضوره في اللقاءات وخطاباته وتحركاته يمنحان الانطباع بأنه ما يزال يمسك بخيوط الحزب، أو على الأقل يسعى إلى حماية موقعه السياسي ومواجهة تمدد منافس يعرف جيداً مراكز القوة وكيفية تحريكها.
لكن ما يحتاج إلى نقاش ليس حق أخنوش أو غيره في الدفاع عن حزبه، وإنما الطريقة التي يجري بها ذلك. فعندما تتحول المنصات الحزبية إلى فضاء لمهاجمة وزير بعينه، وعندما تتكرر التصريحات الحادة على ألسنة مسؤولين حكوميين محسوبين على الجهة نفسها، يصبح مشروعاً التساؤل عما إذا كنا أمام مواقف فردية أم أمام توزيع للأدوار في إطار مواجهة سياسية منظمة.
لا تتوفر، بطبيعة الحال، معطيات مؤكدة تسمح بالجزم بأن أحداً حرّض مسؤولاً حكومياً على مهاجمة لقجع، غير أن تزامن الخرجات وتشابه لهجتها والسياق الذي جاءت فيه كلها عناصر تغذي هذا الانطباع. وفي السياسة، لا تُبنى المواقف على الكلمات فقط، بل أيضاً على التوقيت والجهة المستفيدة والرسائل الموجهة إلى المنتخبين والرأي العام.
وقد يكون الهدف الحقيقي من هذا التصعيد أوسع من مهاجمة شخص فوزي لقجع. فالرسالة قد تكون موجهة أساساً إلى المنتخبين والأعيان الذين لم يحسموا وجهتهم، ومفادها أن حزب «الحمامة» لم يستسلم، وأنه مستعد للدفاع عن مواقعه في مواجهة آلة «الجرار». بذلك تصبح التصريحات النارية جزءاً من معركة النفوذ والاستقطاب، لا مجرد ردود فعل عفوية.
غير أن أخطر ما في هذه المواجهة أنها تقع بين مكونات حكومية لم تنته مهامها بعد. فالوزير الذي يهاجم زميله فوق منصة حزبية سيجلس إلى جانبه في المجلس الحكومي، وسيناقش معه مشاريع القوانين والمراسيم والسياسات العمومية، وقد يضطر إلى الدفاع معه عن قرارات مشتركة أمام البرلمان والرأي العام.
فكيف يمكن للمواطن أن يصدق خطاب الانسجام الحكومي بعد سماعه هذه الاتهامات؟ وكيف يمكن لوزير أن يطعن في أهلية زميله أو نزاهة اختياراته حزبياً، ثم يزكي قراراته داخل الحكومة؟ وهل يوجد فصل حقيقي بين الشخصيتين الحزبية والحكومية، أم أن هذا الفصل لا يظهر إلا عندما يكون مفيداً لتبرير التناقض؟
إن القول إن ما يحدث مجرد تنافس انتخابي لا يكفي، لأن أعضاء الحكومة ليسوا مرشحين عاديين. إنهم يتحملون مسؤولية مؤسساتية، وترافقهم صفتهم الرسمية أينما ذهبوا. وعندما يتكلم وزير أو كاتب دولة في لقاء حزبي، فإن المواطن لا يسمع فقط مسؤولاً تنظيمياً، بل يسمع عضواً في السلطة التنفيذية يفترض فيه التحفظ والرصانة واحترام زملائه والمؤسسات التي يمثلها.
كما أن استعمال لغة التهجم الشخصي يزيح النقاش عن القضايا الحقيقية. فالانتخابات يفترض أن تكون مناسبة لمحاسبة الأحزاب على حصيلتها ومقارنة برامجها، لا مسابقة في التجريح ورفع الصوت. وكان أولى بالوزراء أن يشرحوا للمغاربة حصيلة عملهم، وأن يقدموا أجوبة واضحة عن غلاء الأسعار والبطالة وتراجع القدرة الشرائية وأوضاع الصحة والتعليم، بدلاً من إغراق المشهد في خصومات شخصية.
ويكشف التصعيد أيضاً عن هشاشة التحالفات الحكومية عندما تقترب الانتخابات. فالأحزاب التي تقدم نفسها طوال الولاية باعتبارها فريقاً منسجماً، سرعان ما تعود إلى منطق الصراع بمجرد اقتراب موعد الاقتراع. وعندها يتبين أن التضامن الحكومي قد يكون محكوماً بالمصلحة أكثر من اقتسام رؤية سياسية مشتركة.
إن الخلاف أمر طبيعي داخل الديمقراطية، لكن الاختلاف المسؤول يقتضي مواجهة البرامج بالبرامج والحصيلة بالحصيلة. أما مهاجمة الأشخاص بعبارات منفلتة، فهي لا تدل على القوة، بل تكشف غالباً عن توتر داخلي وخوف من تغير موازين القوى.
ويبدو أن حزب «الحمامة» لا يواجه فقط منافسة «الجرار»، بل يواجه أيضاً سؤال ما بعد أخنوش: هل استطاع إنتاج قيادة مستقلة وقادرة على إدارة المرحلة؟ أم أن الحزب لا يزال مرتبطاً برئيسه السابق إلى درجة استدعائه كلما اشتدت الأزمة؟ إن عودة أخنوش بهذا الحضور تضعف صورة القيادة الجديدة بقدر ما تمنح الحزب زخماً مؤقتاً، لأنها توحي بأن انتقال السلطة التنظيمية لم يكتمل فعلياً.
في المقابل، فإن الأصالة والمعاصرة مطالب بدوره بتوضيح الحدود الفاصلة بين العمل الحزبي والمسؤوليات الحكومية التي يتحملها لقجع. فقوة حضوره لا ينبغي أن تتحول إلى مصدر التباس حول استعمال النفوذ أو إمكانات المنصب في المنافسة الانتخابية. والحزب الذي يريد تقديم نفسه بديلاً مطالب بأن يطمئن الرأي العام إلى أن صعوده يقوم على البرنامج وثقة الناخبين، وليس فقط على استقطاب المنتخبين أو قوة بعض أسمائه.
أما الوزارة الوصية، التي تتحمل مسؤولية ضمان نزاهة انتخابات 23 شتنبر، فهي مطالبة بتطبيق قواعد الحياد والشفافية على الجميع، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمرشحين أو فاعلين يجمعون بين المسؤولية الحكومية والنشاط الحزبي. فكل غموض في الفصل بين موارد الدولة والحملة الانتخابية سيعمق الشكوك بدلاً من استعادة الثقة.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: ففي الوقت الذي تعبئ فيه الدولة إمكاناتها لإنجاح الانتخابات، وتدعو الأحزاب المواطنين إلى المشاركة، يقدم بعض المسؤولين نموذجاً منفراً عن الممارسة السياسية. فكيف يمكن إقناع المواطن بقيمة صوته إذا كان النقاش ينحدر إلى تبادل الشتائم؟ وكيف يمكن استرجاع ثقته إذا كان يرى أن الخلافات لا تتعلق بالبرامج، بل بالمقاعد والنفوذ وتوزيع المواقع؟
لا يحتاج المغرب إلى حملة انتخابية قائمة على «المعيور»، بل إلى مواجهة سياسية حقيقية حول الحصيلة والبدائل. ومن حق الأحزاب أن تتصارع ديمقراطياً، لكن ليس من حق الوزراء أن يعبثوا بصورة المؤسسات أو أن يحولوا الحكومة إلى ساحة خلفية لمعركة انتخابية.
لقد بدأت الحملة قبل موعدها، وارتفعت حرارتها قبل أن تعلق الملصقات وتفتح مكاتب التصويت. غير أن السؤال الذي سيظل مطروحاً ليس من يرفع صوته أكثر، بل من يمتلك برنامجاً مقنعاً ويحترم عقول المغاربة.
أما الذين يتبادلون الهجمات اليوم ثم يجلسون غداً حول طاولة حكومية واحدة، فعليهم أن يشرحوا للمواطنين بأي وجه سيدافعون عن الانسجام الحكومي، وبأي خطاب سيطلبون ثقتهم يوم 23 شتنبر. فالناخب قد ينسى الشعارات، لكنه لن ينسى مشهد وزراء يتخاصمون أمام الجمهور، ثم يتصرفون داخل المؤسسات وكأن شيئاً لم يحدث.
ح/ا
