الجمعيات تطالب الأحزاب بالتعهد بحماية حرية التأسيس ووضع حد لحرمانها من وصولات الإيداع

دعت جمعيات وشبكات وائتلافات مدنية الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة إلى إدراج حماية حرية تأسيس الجمعيات ضمن التزاماتها السياسية والتشريعية والمؤسساتية، واتخاذ تدابير عملية لوضع حد لما وصفته بـ”الشطط الإداري” المتمثل في حرمان عدد من الجمعيات من وصولات إيداع ملفاتها القانونية.

وعقدت الهيئات المدنية، اليوم الثلاثاء 8 شتنبر الجاري بالرباط، ندوة صحفية لتسليط الضوء على مضامين المذكرة الترافعية التي وجهتها إلى الأحزاب السياسية، في سياق الاستعدادات المرتبطة بالاستحقاقات التشريعية، وتفاعلا مع النقاش العمومي بشأن مكانة المجتمع المدني ودوره في ترسيخ دولة الحق والقانون وتعزيز الديمقراطية التشاركية.

وسجلت المذكرة استمرار مجموعة من العراقيل التي تعيق ممارسة الحق في تأسيس الجمعيات وتجديد مكاتبها وتحيين وضعيتها القانونية، وفي مقدمتها رفض بعض المصالح الإدارية تسلم ملفات التأسيس أو التجديد وتعديل الأنظمة الأساسية، وعدم تسليم الوصل المؤقت فور إيداع الملف، فضلا عن التأخر في منح الوصل النهائي.

وأشارت إلى مطالبة بعض الجمعيات بوثائق وإجراءات غير منصوص عليها قانونا، إلى جانب ربط دراسة ملفاتها بأبحاث أو موافقات مسبقة لا تستند، بحسب المذكرة، إلى المساطر القانونية المعمول بها.

واعتبرت الهيئات الموقعة أن هذه الممارسات تكرس فجوة بين الضمانات التي ينص عليها القانون والممارسة الإدارية اليومية، كما تؤدي عملياً إلى تحويل نظام التصريح الذي يقوم عليه تأسيس الجمعيات إلى ما يشبه الترخيص الإداري المسبق، بما يمس جوهر هذا الحق ويقوض الأمن القانوني للهيئات المدنية.

وأكدت أن حرية تأسيس الجمعيات ليست امتيازا تمنحه الإدارة، بل حق دستوري وحقوقي يمثل إحدى ركائز دولة الحق والقانون، وعنصرا أساسيا في بناء مجتمع مدني حر ومستقل وتعددي وفاعل، يساهم في تأطير المواطنات والمواطنين والدفاع عن الحقوق والقضايا المشروعة، والمشاركة في صياغة السياسات العمومية ومناقشتها وتقييمها.

وشددت المذكرة على أن حماية الحرية الجمعوية لا تهم الفاعلين المدنيين وحدهم، وإنما ترتبط كذلك بجودة الإدارة وسمعتها، واحترام مبدأ خضوع المرفق العمومي للقانون، وتعزيز الثقة في المؤسسات وضمان مشاركة مواطنة فعلية.

ورفضت الجمعيات أن تستفيد الإدارة من آثار امتناعها عن تسلم الملفات أو تسليم وصولات الإيداع، أو أن تظل بمنأى عن المساءلة القانونية، معتبرة أن هذا الامتناع يؤدي إلى تعطيل الحق في التأسيس بقرار إداري لم يجعله القانون شرطاً لممارسة الحرية الجمعوية.

وأوضحت أن معالجة أية مخالفة قانونية محتملة تظل من اختصاص القضاء، وفق الآليات التي يحددها القانون، ولا يمكن اتخاذها مبرراً لفرض رقابة إدارية قبلية تحوّل نظام التصريح إلى ترخيص مقنّع.

وأكدت الهيئات الموقعة أن احترام القانون مسؤولية متبادلة، مبرزة التزام الجمعيات بمبادئ الشفافية والحكامة والمساءلة واحترام النصوص القانونية، مقابل مطالبتها الإدارة بالتقيد بالمساطر والآجال والضمانات التي يقررها القانون.

ونبهت إلى أن تداعيات هذه العراقيل لا تقتصر على العلاقة بين الجمعية والإدارة، بل تؤثر مباشرة في قدرة الجمعيات على ممارسة أدوارها الدستورية، إذ إن غياب الوصل أو عدم تحيينه قد يعرقل فتح الحسابات البنكية أو تحيينها، وإبرام اتفاقيات الشراكة، والحصول على التمويل، وإثبات صفة الممثلين القانونيين، فضلاً عن الولوج إلى عدد من الفضاءات والخدمات.

وطالبت الجمعيات والشبكات والائتلافات المدنية الأحزاب المشاركة في الانتخابات المقبلة بجعل حماية حرية تأسيس الجمعيات التزاماً سياسياً واضحاً، بدلاً من الاكتفاء بإعلانات عامة بشأن دعم المجتمع المدني.

ودعت، في هذا الإطار، إلى ضمان التسليم الفوري لوصل الإيداع المؤقت، مختوماً ومؤرخاً، بمجرد إيداع ملف مستوفٍ للوثائق القانونية، ووضع حد لكل ممارسة تربط تسليمه بأبحاث أو موافقات مسبقة غير منصوص عليها في القانون.

كما طالبت بحماية الجمعيات من آثار الامتناع الإداري عن تسليم الوصل، ووضع آليات تتيح مساءلة الإدارة عن عدم تنفيذ الإجراءات المفروضة قانوناً، إلى جانب رقمنة مساطر تأسيس الجمعيات وتجديد مكاتبها، عبر منصة وطنية موحدة تثبت الإيداع فوراً وتمكن الجمعيات من تتبع مآل ملفاتها.

وشملت المطالب أيضاً وقف فرض وثائق أو شروط غير منصوص عليها قانوناً، واعتماد إشعار مكتوب ومعلل عند وجود نقص في الملف، يحدد بدقة الوثائق المطلوبة والسند القانوني المعتمد.

ودعت المذكرة إلى تفعيل الضمانات التي يتيحها القانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، بما يحول دون تعطيل الحق في التأسيس ويحافظ على الطبيعة التصريحية للمسطرة.

وطالبت كذلك بإحداث آلية استعجالية ومستقلة لتلقي تظلمات الجمعيات والبت فيها داخل آجال قصيرة، وتوحيد الممارسة الإدارية على المستوى الوطني من خلال إعداد دليل مسطري ملزم، وتكوين الموظفين والأعوان المكلفين باستقبال الملفات.

كما شددت على ضرورة إرساء آليات للشفافية والمساءلة، عبر نشر معطيات دورية بشأن ملفات تأسيس الجمعيات وتجديد مكاتبها، وحالات التأخر والشكايات المسجلة ومآلاتها.

وختمت الهيئات المدنية مذكرتها بدعوة جميع الأحزاب إلى إعلان التزامات صريحة وقابلة للقياس والتتبع ضمن برامجها الانتخابية، والعمل، من مواقعها في الحكومة والبرلمان، على تفعيل الآليات التشريعية والرقابية والتنظيمية الكفيلة بحماية الحرية الجمعوية والحفاظ على الطبيعة التصريحية لنظام التأسيس، ورفض تحويله إلى ترخيص إداري مسبق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.