بعيدا عن المنصات الحزبية والخطابات المعدة سلفا، تعيش مقاهي مدينة فاس خلال الحملة الانتخابية لتشريعيات 23 شتنبر 2026 على إيقاع نقاش سياسي من نوع آخر؛ نقاش أقل صخبا وأكثر اتصالا بتفاصيل الحياة اليومية، حيث تختلط القهوة بالسياسة، وتتحول الطاولات إلى فضاءات مصغرة لقياس نبض الشارع وانتظاراته.
فمع توالي أيام الحملة، لم تعد متابعة الاستحقاقات محصورة في التجمعات والملصقات والمنصات الرقمية، بل أصبحت المقاهي، خاصة في الأحياء الشعبية ووسط المدينة، مجالا مفتوحا لتبادل الآراء حول البرامج والمرشحين والوعود، وفي الوقت نفسه مناسبة لاستحضار ملفات الشغل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم والنقل والبيئة ومستقبل المدينة.
داخل هذه الفضاءات، تبدو النقاشات أكثر تحررا من اللغة الرسمية التي تطبع عادة الحملات الانتخابية. مقطع فيديو على الهاتف، تصريح لمرشح، صورة من جولة ميدانية أو وعد انتخابي جديد، كلها تفاصيل قد تكون شرارة لنقاش طويل، سرعان ما ينتقل من الأشخاص إلى الأسئلة المرتبطة بمدى قابلية الوعود للتنفيذ، وبما إذا كان الناخب سيلمس أثرا حقيقيا لها بعد انتهاء الانتخابات.
في أحد مقاهي حي مون فلوري، يتابع محمد كروم ما تنشره منصات التواصل الاجتماعي، لكن اهتمامه لا يتوقف عند الصور والشعارات. وبحكم تجربته في العمل الجمعوي، يربط المشاركة السياسية بالنسبة إليه بمدى صدقية الفاعلين الحزبيين وقدرتهم على تحويل التعهدات إلى نتائج ملموسة.
ويرى كروم أن أحد أكبر اختبارات المرحلة المقبلة يكمن في قدرة المنتخبين على الحفاظ على صلتهم بالمواطنين بعد انتهاء الحملة، لا أن تقتصر العلاقة على الأيام التي تسبق الاقتراع. ومن وجهة نظره، فإن القرب الحقيقي يمر عبر الإنصات إلى السكان، وتتبع مشاكلهم، ومواكبة الملفات التي تمس حياتهم اليومية.
وتتركز انتظاراته على قضايا متعددة، في مقدمتها تحسين قطاعات الصحة والتعليم والقضاء والسياسة الاجتماعية، إلى جانب العناية بالفئات الهشة والشباب، سواء من حيث التكوين والتشغيل أو من حيث فتح المجال أمامهم للمشاركة الفعلية داخل الأحزاب والمؤسسات.
وفي مقهى آخر، يضع عبد الوافي التونسي مسألة الكفاءة في صدارة النقاش. فبالنسبة إليه، لا يتعلق الأمر فقط بتجديد الوجوه، بل بقدرة الانتخابات على إفراز مسؤولين قادرين على تدبير الشأن العام بفعالية وعلى استيعاب التحديات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة.
ويربط التونسي هذا الرهان أيضا بقضية الاستثمار وخلق فرص الشغل، معتبرا أن تجديد النخب ينبغي أن يفتح الباب أمام كفاءات قادرة على المساهمة في تحريك الاقتصاد المحلي والجهوي.
ولا يحصر اهتمامه في المجال الحضري، بل يرى أن تنمية فاس لا يمكن فصلها عن تنمية محيطها القروي، خصوصا في ما يتعلق بالبنيات التحتية والتعليم والصحة والسكن والاستثمار الفلاحي. فبرأيه، تقليص الفوارق المجالية يظل من بين الشروط الأساسية للحد من الهجرة نحو المدينة والضغط على مرافقها.
وفي وسط المدينة، يعبر علي صفيرة، وهو موسيقي، عن انتظارات قريبة من انشغالات عدد كبير من السكان. فهو يأمل أن تفضي الاستحقاقات المقبلة إلى تحسين ملموس في جودة الحياة داخل فاس، سواء عبر نظافة أفضل، أو فضاءات خضراء أوسع، أو خدمات صحية أكثر جودة، أو تعزيز الإحساس بالأمن والراحة داخل الأحياء.
لكن نظرته تمتد بدورها إلى العالم القروي، حيث يشدد على أهمية توفير المدارس والملاعب والمكتبات ومختلف التجهيزات الأساسية، باعتبارها عناصر ضرورية لضمان تكافؤ أكبر في الفرص وتقريب الخدمات من السكان.
ويعود موضوع الشباب بقوة في شهادته، إذ يعتبر أن تمكين الأجيال الجديدة من فضاءات أوسع للمشاركة وتحمل المسؤولية يظل من بين أبرز التحديات المطروحة. فالشباب، بحسب رؤيته، لا يحتاجون فقط إلى فرص الشغل، بل إلى حضور أكبر في الثقافة والرياضة والعلوم والعمل العمومي.
وتكشف هذه النقاشات المتفرقة داخل مقاهي فاس عن معطى لافت: الاهتمام الشعبي بالحملة لا يتركز فقط على الصراعات بين الأحزاب أو على التصريحات الحادة بين قياداتها، بل ينصرف بدرجة كبيرة إلى قضايا تبدو أكثر مباشرة بالنسبة إلى المواطن، من قبيل التشغيل وجودة الخدمات العمومية والتنمية المحلية ومصداقية المنتخبين.
وهكذا تتحول المقاهي، خلال هذه الفترة، إلى ما يشبه مرصدا غير رسمي للمزاج الانتخابي. ففيها يتجاور المؤيد والمتردد والناقد، وتتقاطع التفضيلات الحزبية مع خيبة الأمل من تجارب سابقة، كما تخضع الوعود للمقارنة مع ما تحقق فعليا على الأرض.
ومع اقتراب موعد اقتراع 23 شتنبر، تبدو هذه الأحاديث اليومية جزءا من المشهد الانتخابي نفسه، حتى وإن جرت بعيدا عن المقرات الحزبية. فهي تعكس ما يشغل جزءا من الناخبين، وتكشف أن الرهان لا يتعلق فقط بمن سيفوز بالمقاعد، بل أيضا بمن سيقنع المواطن بأنه قادر على تحويل الخطاب الانتخابي إلى فعل ملموس بعد إغلاق صناديق الاقتراع.
عن:ومع
