الحملة الانتخابية تخرج من المقرات إلى “المقاهي” و “المطاعم”.. والتراشق الرقمي يطغى على نقاش الناخبين..!
الحملة الانتخابيةمع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر الجاري، لم تعد الحملة الانتخابية محصورة في التجمعات الحزبية واللقاءات الرسمية والجولات الميدانية، بل امتدت إلى فضاءات يومية أكثر تلقائية، من المقاهي والمطاعم إلى المجالس الخاصة، حيث أصبح المهتمون بالشأن العام والمواطنون والمنتخبون يتابعون، لحظة بلحظة، ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي من تصريحات ومقاطع فيديو وردود متبادلة بين مرشحين وقيادات حزبية.
وتحولت هذه الفضاءات، في عدد من المدن، إلى ساحات نقاش موازية للحملة الرسمية، حيث يجلس منتخبون محليون وفاعلون حزبيون ومهتمون بالسياسة إلى جانب مواطنين عاديين ، على موائد مختلفة، يناقشون المستجدات التي يشاهدونها عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتي تشير البعض منها الى التراشقات الشخصية فقط لا غير.
ولم يعد الاهتمام منصبا فقط على البرامج الانتخابية أو الوعود المرتبطة بالشغل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية، بل أصبح جانب كبير من النقاش يدور حول الاتهامات المتبادلة بين الأحزاب وقياداتها، وخاصة منها المشاركة في حكومة عزيز اخنوش، فكلما تظهر تصريحات جديدة، وردود مضادة، ومقاطع مجتزأة، وتعليقات ساخرة، تناقش في كل و”جبة” غذاء او عشاء في المقاهي والمطاعم لتتحول إلى مادة للتأويل والنقاش “الفارغ ”
هذا التحول يعكس، حجم التأثير الذي أصبحت تمارسه شبكات التواصل الاجتماعي على الحملة الانتخابية، عن تراجع نسبي للبرنامج الانتخابي، وارتفاع “التهم” التي تساهم في “تنفير” المواطن من تلك الاحزاب ، بدل محاولة استرجاع الثقة، من خلال خطابات سياسية رصينة، وبرامج انتخابية تزرع الامل ولو في نسبة منها على الاقل، في وقت توسعت فيه المواجهات الكلامية بين الأحزاب على حساب النقاش التفصيلي في السياسات العمومية.
كما أن بعض التصريحات الحزبية خلال الحملة، تجاوزت النقاش حول البرامج إلى استعمال أوصاف قاسية واتهامات مباشرة، وهذا النوع من”التهم” يدفع البعض في تلك الحملات الانتخابية الى ردهات المحاكم بعد يوم 23 شتمبر، بدل منطق التنافس الشريف على البرامج.
واللافت أن القانون الانتخابي الجديد أحاط الفضاء الرقمي بضوابط أكثر صرامة، خصوصا في ما يتعلق بنشر الأخبار الزائفة أو المعطيات المفبركة أو استعمال صور وأقوال المترشحين بشكل مدلس بقصد التشهير أو التأثير غير المشروع في العملية الانتخابية. وقد نصت المادة 51 مكررة على عقوبات حبسية ومالية في بعض هذه الحالات، مع اشتراط توافر القصد الجنائي.
وبذلك، لم تعد مواقع التواصل مجرد امتداد تقني للحملة، بل أصبحت جزءا من التنافس نفسه، بما لها وما عليها. فمن جهة، تسمح بوصول الرسائل الانتخابية بسرعة إلى شرائح واسعة، ومن جهة أخرى، تفتح الباب أمام التضليل والاجتزاء والتشهير، خصوصا عندما تتحول المنافسة إلى صراع شخصي أو حزبي حاد.
في المقاهي والمطاعم، يبدو هذا الواقع واضحا. فالمواطن لا يتعامل دائما مع المحتوى المنشور باعتباره دعاية انتخابية فقط، بل يضعه في ميزان التجربة اليومية: “هل ما يقال صحيح؟ هل ينسجم مع ما عاشه خلال السنوات الماضية؟ وهل الاتهامات المتبادلة تعكس فعلا خلافات عميقة أم أنها مجرد أدوات انتخابية عابرة؟“.
وهنا تتحول هذه الفضاءات إلى نوع من “غرفة صدى” للحملة، ومختبر غير رسمي للرأي العام. لان المنتخب يسمع كيف يتلقى المواطنون خطابه، والفاعل الحزبي يلتقط ردود الفعل، والمهتم يتابع تغير المزاج، بينما يظل الهاتف الذكي الحاضر الأكبر على الطاولة.
غير أن الخطر يكمن في أن تؤدي كثافة التراشق إلى إغراق القضايا الأساسية في الضجيج. فبدل أن يكون السؤال: “ماذا تقترح الأحزاب لمعالجة البطالة أو ارتفاع الأسعار أو تدهور بعض الخدمات؟” يصبح السؤال: “من رد على من؟ ومن هاجم من؟ ومن خرج بتصريح أكثر إثارة؟“
ومع دخول الحملة أيامها الأخيرة، سيكون التحدي الأكبر هو ما إذا كانت الأحزاب ستنجح في إعادة النقاش إلى جوهره، أي “البرامج والالتزامات والقدرة على التنفيذ”، أم أن التراشق الرقمي سيواصل المساهمة في استهلاك “الطواجن بالبرقوق” كما قال بنكيران ، بدل رفع إيقاع المنافسة ليوم الاقتراع!.
