“لجنة مادلانغا” تفتح ملفات ثقيلة تهز منظومة العدالة الجنائية في جنوب إفريقيا

من شبهات الإعدام خارج نطاق القانون، إلى ملايين الراندات التي أثارت جدلا واسعا، مرورا باغتيال شاهد واختفاء مئات الكيلوغرامات من الكوكايين، كشفت الإفادات المقدمة أمام لجنة مادلانغا عن معطيات مثيرة وضعت منظومة العدالة الجنائية في جنوب إفريقيا تحت مجهر غير مسبوق.

ومنذ انطلاق جلساتها في 17 شتنبر 2025 بالعاصمة بريتوريا، تحولت لجنة التحقيق القضائية في الجريمة والتدخل السياسي والفساد داخل منظومة العدالة الجنائية، المعروفة باسم “لجنة مادلانغا”، إلى واحدة من أبرز واجهات النقاش العام في البلاد، بعد أن راكمت 174 يوما من جلسات الاستماع، تخللتها شهادات واتهامات أثارت أسئلة عميقة حول أداء مؤسسات يفترض أن تشكل خط الدفاع الأول عن القانون.

وكان الرئيس سيريل رامافوزا قد أحدث اللجنة في 13 يوليوز 2025، على خلفية اتهامات بالفساد وجهها مفوض شرطة إقليم كوازولو-ناتال، نهلانلا مخوانازي، إلى مسؤولين حكوميين وقيادات أمنية رفيعة.

وحتى الأربعاء الماضي، استمعت اللجنة إلى إفادات 110 أشخاص، بينهم 36 عنصرا من الشرطة الجنوب إفريقية و25 من مديرية التحقيقات الجنائية، إضافة إلى مسؤولين وعناصر من شرطة مدن جوهانسبورغ وإيكورهوليني وتشواني، فضلا عن مسؤولين من إدارة النقل بإقليم خاوتينغ.

كما شملت جلسات الاستماع مسؤولين من مديرية التحقيق في قضايا الفساد والهيئة الوطنية للادعاء العام، وعناصر من المديرية المستقلة للتحقيق في الشرطة، إلى جانب نائبين برلمانيين وعدد من المواطنين والخبراء الذين ساهموا في تقديم تصورات بشأن إصلاحات مؤسساتية محتملة داخل منظومة العدالة الجنائية.

ورغم الطابع الثقيل للملفات المعروضة، لم تخل بعض الجلسات من مواقف لافتة أثارت تفاعلا لدى الرأي العام، من بينها حديث أحد ضباط الشرطة عن سرقة آلة لإعداد القهوة، فضلا عن إبداء مسؤول أمني موقوف عن العمل مخاوف واضحة من احتمال دخوله السجن.

غير أن تلك التفاصيل العابرة سرعان ما تراجعت أمام خطورة المعطيات التي كشفت عنها الإفادات، وفي مقدمتها التحقيق في أكثر من 300 قضية مرتبطة بسوء سلوك مفترض لعناصر أمنية خلال الفترة ما بين 2023 و2026.

ومن بين هذه القضايا، برز 77 ملفا ترتبط بـ149 حالة وفاة وقعت أثناء عمليات نفذتها وحدات خاصة للشرطة في إقليم كوازولو-ناتال، ما أعاد إلى الواجهة الجدل بشأن حدود استخدام القوة والمسؤولية القانونية داخل الأجهزة الأمنية.

وحضر المال بقوة في جلسات اللجنة، التي ناقشت ادعاءات مرتبطة بصفقة مثيرة للجدل بلغت قيمتها 360 مليون راند، قيل إنها منحت لشركة يملكها شخص يشتبه في ارتباطه بعصابة إجرامية، مع ورود أسماء مسؤولين أمنيين ورجال أعمال في سياق الإفادات المقدمة.

كما تناولت اللجنة حركة ملايين الراندات في إطار شبكات وتحقيقات متشابكة، الأمر الذي أعاد طرح سؤال مركزي حول الحدود الفاصلة بين النشاط التجاري المشروع والنفوذ الإجرامي المفترض، ومدى قدرة مؤسسات الدولة على حماية نفسها من الاختراق والفساد.

ومن أكثر الملفات إثارة للغموض، قضية اختفاء نحو 541 كيلوغراما من الكوكايين، قدرت قيمتها بحوالي 200 مليون راند، من موقع تابع لوحدة نخبة أمنية بمدينة بورت شيبستون.

وكشفت الإفادات المقدمة بشأن هذه القضية عن تعطل كاميرات المراقبة، وضعف الإجراءات الأمنية، إلى جانب تضارب الروايات بشأن الأشخاص الذين كانوا على علم بوجود المخدرات داخل الموقع.

واختفى الكوكايين، لكن الأسئلة المرتبطة بمسؤولية التخزين والمراقبة والحماية ظلت مفتوحة أمام اللجنة.

أما التطور الأكثر إثارة للقلق، فتمثل في اغتيال الشاهد المعروف باسم “د”، ماريوس فان دير ميرفي، بعد مثوله أمام اللجنة والإدلاء بشهادته.

وأعاد هذا الحادث ملف حماية الشهود إلى الواجهة بقوة، بعدما تحول أحد الأشخاص الذين تقدموا للإدلاء بإفاداتهم أمام لجنة قضائية إلى ضحية لجريمة قتل، في واقعة أضفت بعدا أكثر خطورة على المخاوف المحيطة بسلامة الشهود والمتعاونين مع التحقيق.

ولا تملك لجنة مادلانغا صلاحية إصدار أحكام جنائية أو تحديد المسؤوليات القضائية النهائية بحق الأشخاص الذين ترد أسماؤهم خلال الجلسات، إذ تتمثل مهمتها أساسا في جمع الوقائع، وتشخيص مكامن الخلل، واقتراح توصيات يمكن أن تقود إلى إصلاحات داخل منظومة العدالة الجنائية.

غير أن أهمية اللجنة تتجاوز، في نظر متابعين، مسألة ملاحقة أفراد بعينهم، بالنظر إلى طبيعة الأسئلة التي أثارتها بشأن احتمال وجود روابط بين الجريمة المنظمة والمال والسياسة وأجهزة إنفاذ القانون، ومدى قدرة المؤسسات على منع تغلغل المصالح غير المشروعة داخلها.

وقال القاضي مادلانغا إن اللجنة لم تستكمل بعد فحص جميع الأدلة المتاحة، مؤكدا أن استنتاجاتها النهائية لن تصدر قبل دراسة مجمل المعطيات بشكل كامل.

وأضاف أن الأدلة المقدمة إلى حدود الآن تشير إلى وجود مؤشرات على جرائم خطيرة داخل منظومة العدالة الجنائية، مرتبطة بما وصفه باختراق المنظومة وممارسة نفوذ غير مشروع عليها من طرف عناصر إجرامية.

كما اعتبر أن المعطيات المعروضة تثير مخاوف بشأن وجود عناصر داخل أجهزة الدولة قابلة للفساد أو متورطة فيه، مشددا على أن نتائج التحقيق يفترض أن تساهم في اتخاذ إجراءات عملية تمنع تكرار مثل هذه الوقائع مستقبلا.

ومع اقتراب نهاية جلسات الاستماع العلنية المرتقبة في 2 أكتوبر المقبل، تترقب الأوساط السياسية والأمنية والقضائية في جنوب إفريقيا ما سيحمله التقرير النهائي للجنة، المنتظر صدوره في 16 نونبر، وسط آمال بأن تتحول خلاصاته إلى إجراءات ملموسة تعيد الثقة في منظومة العدالة الجنائية وتكشف حدود الاختراق الذي تحدثت عنه الشهادات والإفادات.

حدث/وكالات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.