“كلام العقلاء يصان عن العبث”.. حين تتحول الحملة الانتخابية الى سوق للوعود واستمالة الأصوات بـ”قاموس التهم..!”
كلما اقترب موعد الاقتراع، ارتفعت وتيرة الخطابات، وكثرت الوعود، وتعددت الأرقام، واشتد التنافس بين الأحزاب السياسية إلى درجة أصبح معها من الصعب، في بعض الأحيان، التمييز بين البرنامج القابل للتنفيذ والخطاب الموجه فقط لاستهلاك أيام الحملة الانتخابية.
وزاد من حدة هذا المشهد ما طبع الحملة من تراشق سياسي وتبادل لاتهامات ثقيلة بين بعض مكونات المشهد الحزبي، وخاصة بين حزب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، وهي مواجهة قد تترك آثارها السياسية لما بعد يوم 23 شتنبر، سواء على مستوى العلاقات بين الحزبين أو خلال أي مشاورات سياسية لاحقة، فضلا عما قد يترتب عن بعض الاتهامات المتبادلة من نزاعات أو مسارات قضائية إذا تجاوزت حدود السجال السياسي المألوف.
وأمام هذا المشهد، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: “هل تخاطب الأحزاب عقل الناخب أم حاجته؟، وهل تقدم له تعاقدا سياسيا واضحا، أم مجرد وعود وشعارات تعرف مسبقا أن جزءا منها قد يطوى بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع؟”
فالحملة الانتخابية، في معناها الديمقراطي، يفترض أن تكون لحظة للمحاسبة والمقارنة بين البرامج والاختيارات، لا مناسبة للمبالغة في الوعود أو تحويل المواطن إلى رقم مطلوب فقط لاستكمال حسابات المقاعد.
ولعل المقولة التي تفيد بأن “كلام العقلاء يصان عن العبث” تصلح اليوم لتكون مقياسا لكثير من الخطابات الانتخابية التي تحتاج إلى قدر أكبر من الواقعية والدقة واحترام ذكاء الناخب، فليس عيبا أن ترفع الأحزاب سقف طموحاتها، ولا أن تتعهد بإحداث فرص للشغل أو تحسين الصحة والتعليم أو دعم القدرة الشرائية، فهذه من صميم البرامج السياسية. لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول الوعود إلى أرقام ضخمة من دون تفسير كاف لمصادر التمويل، أو إلى التزامات فضفاضة لا يعرف المواطن كيف ستنفذ، ولا متى، ولا بأي وسائل، ولا من سيتحمل المسؤولية السياسية إذا لم تتحقق.
فالناخب لا يحتاج فقط إلى سماع ما يمكن ان تطبقه بعض الأحزاب، بل إلى معرفة كيف سيتم ذلك، وبأي موارد، وفي أي آجال، وما المؤشرات التي ستسمح له بعد ذلك بقياس النتائج ومحاسبة من قدم له تلك الوعود؟، فكلما غابت هذه الأسئلة، تحولت الحملة من تنافس في البرامج إلى مزاد في الكلام، وأصبح الاختلاف بين الأحزاب محصورا في حجم الوعود وقوة الشعارات، بدل أن يكون قائما على وضوح الاختيارات وقابليتها للتنفيذ.
أما الأخطر، فهو ما يثار في كل استحقاق بشأن محاولات استمالة بعض الناخبين بمبالغ مالية أو منافع آنية. ولا ينبغي تعميم هذه الاتهامات أو إلصاقها بأي حزب أو مرشح من دون دليل، لكن خطورتها، متى ثبتت، تتجاوز مجرد المخالفة الانتخابية إلى إفساد معنى الاختيار الحر نفسه، حينما يُستغل بعض المواطنبن الذين يعيشون الهشاشة أو الفقر بمبلغ محدود مقابل صوته، معناه الاتجار بوضعه الاجتماعي في لحظة يفترض أن يكون فيها حرا في اختياره، ومطالبا بأن يقرر على أساس البرنامج والكفاءة والمحاسبة، لا تحت ضغط الحاجة أو إغراء منفعة تنتهي في ساعات، مقابل صوت يمنح تفويضا سياسيا لخمس سنوات.
ومن يفوز بمقعد برلماني لا يحصل فقط على موقع سياسي، بل يصبح طرفا في التشريع، ومراقبة الحكومة، والتصويت على الميزانية، ومناقشة السياسات العمومية، واتخاذ قرارات قد تؤثر في حياة المواطنين سنوات طويلة.
ولهذا فإن استمالة الناخب بالمال، إذا وقعت، ليست مجرد صفقة عابرة بين شخصين، بل مساس بقيمة المؤسسات وبمبدأ المساواة بين المواطنين، لأنها تجعل الحاجة الاجتماعية مدخلا للتأثير في الإرادة السياسية.
كما أن هذه الانتخابات تعيد إلى الواجهة أزمة الثقة بين جزء من المواطنين والعمل السياسي. فكل وعد يقال اليوم ثم يتبخر غدا يضيف لبنة جديدة إلى جدار الشك، وكل خطاب يرفع سقف التوقعات من دون قدرة على التنفيذ يوسع المسافة بين المواطن والأحزاب، وقد تكون الخسارة الحقيقية لأي حزب ليست فقدان مقعد، بل فقدان مواطن يقتنع بأن الانتخابات لا تغير شيئا، وأن الحملات ليست سوى موسم تتغير فيه اللغة والوجوه واللافتات، بينما تبقى الانتظارات نفسها معلقة إلى موعد انتخابي آخر.
وهنا تظهر أهمية المشاركة، لأن المقاعد تحسم وفق الأصوات المعبر عنها والقواعد المنظمة للاقتراع، وليس وفق عدد الغاضبين الذين يقررون البقاء خارج العملية الانتخابية، فكلما ضعفت المشاركة أو تشتتت الأصوات، ازدادت أهمية الحسابات الانتخابية الدقيقة، وأصبح لكل صوت وزن داخل معادلة توزيع المقاعد، وهو ما قد تستفيد منه أطراف قادرة على تعبئة قواعدها ولو في ظل مشاركة محدودة.
فالحملة الانتخابية ليست سوقا موسمية، والبرنامج ليس منشورا ينتهي مفعوله ليلة إعلان النتائج، بل لحظة تعاقد سياسي وأخلاقي بين المواطن ومن يطلب تمثيله، فالأحزاب السياسية مطالبة بأن تنتبه إلى أن الوعود المبالغ فيها قد تساعدها مؤقتا على تعبئة الأنصار، لكنها قد تتحول لاحقا إلى عبء ثقيل على صورتها ومصداقيتها، لان الناخب أصبح أكثر قدرة على المقارنة والتوثيق واستعادة ما قيل له قبل سنوات، وما يقال اليوم في المهرجانات والمنصات الرقمية قد يعود غدا في شكل سؤال بسيط لكنه محرج: أين ما وعدتم به؟.
إن الرهان يوم 23 شتنبر لا يتعلق فقط بعدد المقاعد التي سيحصل عليها كل حزب، بل أيضا بحجم الثقة التي ستظل قائمة بين المواطن والمؤسسات السياسية بعد انتهاء الحملة، فالمقعد قد يحسم بالحسابات الانتخابية، أما الثقة فلا تبنى إلا بالمصداقية، ومن يطلب صوت المواطن لخمس سنوات، عليه أولا أن يقدم له خطابا يحترم عقله، ويصون كرامته، ولا يجعل من حاجته الاجتماعية طريقا إلى صندوق الاقتراع.
لأن الديمقراطية لا تفرغ من معناها فقط عندما تمس سلامة صناديق الاقتراع، بل أيضا عندما يفقد الناس الثقة في جدوى المشاركة، وحين يصبح الخطاب الانتخابي سلعة موسمية بدل أن يكون التزاما سياسيا قابلا للمحاسبة.
ومن يعتقد أن بوسعه استمالة صوت بمبلغ زهيد أو بوعد عابر، عليه أن يتذكر أن كرامة الناخب ليست موضوعا للمساومة، وأن الذاكرة السياسية، مهما طال صمتها، قد تستعيد في اللحظة المناسبة كل ما قيل وكل ما لم ينفذ.
أما الأحزاب التي تراهن على أن المواطن ينسى، فقد تكون أمام أخطر سوء تقدير سياسي، لأن من يفقد ثقة الناس قد يربح مقعدا اليوم، لكنه يراكم في المقابل مزيدا من العزوف والشك غدا.
وفي النهاية، ليست المشكلة في أن تخسر الأحزاب الانتخابات، فذلك جزء طبيعي من التداول الديمقراطي، وإنما الخطر الحقيقي هو أن يخسر المواطن ثقته في الانتخابات نفسها.
ح,ا
