مقتطف من الخطاب الملكي السامي سنة 2007 يستعيد راهنيته: “لا ترهنوا مصيركم ببيع أصواتكم وضمائركم”

كلما اقترب موعد الانتخابات، ارتفعت حرارة الحملات، وكثرت الوعود، واشتدت المنافسة على استمالة الناخب. وبين البرامج والخطابات والتجمعات والجولات الميدانية، يبقى السؤال الأهم: ماذا تعني ورقة التصويت بالنسبة إلى المواطن؟ هل هي مجرد إجراء ينتهي في دقائق، أم قرار يمتد أثره خمس سنوات كاملة؟

في هذا السياق، يستعيد مقتطف من خطاب سامٍ وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى الشعب المغربي سنة 2007، بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، قوة خاصة وراهِنية لافتة، لما يحمله من رسالة مباشرة بشأن مسؤولية الناخب وقيمة صوته..

وجاء في المقتطف من الخطاب الملكي السامي: “إنكم بالإدلاء بأصواتكم، لا تختارون من يمثلكم للسنوات الخمس المقبلة فقط، وإنما تحددون أيضا مستقبلكم ومستقبل أبنائكم وبلدكم. فعليكم ألا ترهنوا مصيركم ببيع أصواتكم وضمائركم لمن لا ضمير ولا أمانة له”.

وهي رسالة تتجاوز ظرفها الزمني، لتضع المسؤولية الانتخابية في معناها الحقيقي: “فالصوت أمانة وليس سلعة، والاختيار الذي يقوم به المواطن داخل مكتب التصويت لا ينتهي بإغلاق الصندوق، بل تمتد نتائجه إلى سنوات من التدبير والقرارات والسياسات العمومية.

وقد عاد جلالة الملك في مناسبات أخرى، إلى التأكيد على أهمية نزاهة الانتخابات ومحاربة استعمال المال وشراء الأصوات، ففي خطاب 20 غشت 2011، دعا جلالته “إلى التصدي للخروقات ومحاربة استعمال المال وشراء الأصوات”، كما شدد على ضرورة تقديم الأحزاب برامج انتخابية خلاقة وواقعية.

وفي خطاب جلالته سنة 2015، اكد على مسؤولية المواطن في الاختيار الواعي، وعلى أن التصويت ينبغي أن يرتبط بالمصلحة العامة، وبمدى أهلية من يتقدم لتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام، لا بالإغراءات الظرفية أو الوعود التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ..

واليوم، وقبيل انتخابات 23 شتنبر2026 ، يبدو ان لهذه التوجيهات أكثر راهنية، فالمنافسة الحقيقية التي ينتظرها المواطن، يُفترض أن تقوم على البرامج والحصيلة والقدرة على تقديم حلول قابلة للتنفيذ، وعلى وضوح الالتزامات ومصادر تمويلها وآجال إنجازها.

ذلك أن استمالة صوت انتخابي بمقابل مادي آني، متى ثبت وقوعها، لا يمكن أن تعوض خمس سنوات من ضعف التمثيل أو سوء التدبير. كما أن أي منفعة ظرفية يحصل عليها الناخب لا يمكن مقارنتها بحقه في الصحة والتعليم والشغل والبنيات التحتية والخدمات العمومية، ولا بحقه في مساءلة من يمثلونه داخل المؤسسات.

ومسؤولية نزاهة الانتخابات لا تقع على السلطات والأحزاب والمرشحين وحدهم، بل للمواطن أيضا دور أساسي فيها. فرفض تحويل الصوت إلى سلعة، والمطالبة بالبرنامج والأرقام والالتزامات الواضحة، يساهمان في رفع مستوى المنافسة السياسية وجعل الانتخابات مناسبة لمناقشة السياسات والاختيارات بدل اختزالها في الإغراءات الآنية.

وحين يصبح السؤال خلال الحملة: “ماذا سأحصل اليوم مقابل صوتي؟”، بدل “ماذا يقترح هذا المرشح أو الحزب للسنوات الخمس المقبلة؟”، فإن جوهر العملية الانتخابية يتراجع أمام حسابات ظرفية لا تنتهي آثارها بانتهاء يوم الاقتراع.

وفي المقابل، لا يعني ذلك أن المواطن مطالب بمنح ثقته بلا مساءلة، بل من حقه أن يسأل عن الحصيلة والبرنامج ومصادر تمويل الوعود ومدى قابليتها للتطبيق، وأن يقارن بين ما أعلن خلال الاستحقاقات السابقة وما تحقق منه على أرض الواقع.

فالبرامج الانتخابية، لا يفترض أن تكون منشورات موسمية تختفي في اليوم الموالي للاقتراع، وإنما تعاقدات سياسية يعود إليها المواطن بعد الانتخابات لمتابعة مدى احترام الالتزامات. كما أن ورقة التصويت ليست شيكا على بياض، بل تفويض سياسي محدد بزمن ومسؤوليات يفترض أن تواكبه المحاسبة.

ومن هنا تستعيد الرسالة الملكية لسنة 2007 دلالتها: “فالناخب، وهو يتوجه إلى صندوق الاقتراع، لا يختار اسما أو لونا سياسيا فقط، وإنما يشارك في تحديد من سيتولى التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتمثيل المواطنين خلال السنوات المقبلة”. 

وفي 23 شتنبرالحالي، ستغلق مكاتب التصويت وتنتهي الحملة، وستختفي الشعارات والملصقات والسيارات التي تجوب الشوارع، غير أن نتائج الاختيار ستبقى، وستبدأ معها ولاية جديدة بما تحمله من قرارات ومسؤوليات وانتظارات.

ولهذا، تبدأ حماية الصوت قبل وضع الورقة في الصندوق؛ تبدأ حين يدرك المواطن أن اختياره حق ومسؤولية، وأن قيمة صوته لا تقاس بما قد يحصل عليه في لحظة عابرة، وإنما بما يمكن أن يترتب عن هذا الاختيار طوال خمس سنوات.. فالانتخابات تمر في يوم واحد، أما آثار الاختيار فتمتد لسنوات!,

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.