نساء مغربيات صنعن التاريخ في عهد جلالة الملك محمد السادس:الراحلة زليخة نصري اول مستشارة لجلالته ..وفاطمة الزهراء المنصوري اول رئيسة للحكومة المغربية

بتعيين جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، فاطمة الزهراء المنصوري كأول امرأة مغربية سياسية تتقلد منصب رئيسة للحكومة، يكون التاريخ السياسي والمؤسساتي للمغرب المعاصر قد سجل محطات بارزة في مسار وصول المرأة إلى مواقع القرار، من خلال اسمين بارزين يختزلان، بشكل لافت، هذا التحول: الراحلة زليخة نصري، التي كانت أول امرأة تتولى منصب مستشارة للملك، وفاطمة الزهراء المنصوري، التي أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المملكة المغربية.

وبين المحطتين، الممتدتين من سنة 2000 إلى سنة 2026، يمكن قراءة جزء مهم من التحول الذي شهده حضور المرأة المغربية داخل أعلى دوائر المسؤولية، من موقع الاستشارة داخل المؤسسة الملكية إلى قيادة السلطة التنفيذية في إطار دستور 2011.

ففي 29 مارس 2000، عين الملك محمد السادس زليخة نصري مستشارة لجلالته، لتدخل التاريخ كأول امرأة مغربية تتولى هذا المنصب الرفيع. ولم يأت هذا التعيين من فراغ، بل كانت الراحلة قد راكمت تجربة طويلة داخل الإدارة العمومية، خاصة بوزارة المالية، حيث تولت مسؤولية مديرية التأمينات، قبل أن تعين سنة 1997 كاتبة للدولة لدى وزير الشؤون الاجتماعية مكلفة بالتعاون الوطني، ثم تلتحق بالديوان الملكي مكلفة بمهمة سنة 1998.

ولم يكن حضور زليخة نصري داخل الديوان الملكي مجرد دلالة رمزية على انفتاح أحد أهم مراكز القرار أمام الكفاءات النسائية، بل ارتبط اسمها بعدد من الملفات الاجتماعية والمؤسساتية، خاصة من خلال مساهمتها في أعمال مؤسسة محمد الخامس للتضامن، ومؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، إلى جانب انخراطها في عدد من القضايا الاجتماعية والأسرية التي ميزت تلك المرحلة.

وبوفاتها في دجنبر 2015، فقد المغرب واحدة من النساء اللواتي أسهمن في ترسيخ صورة جديدة للمرأة داخل الدولة، بعد مسار جمع بين المسؤولية الإدارية والعمل الحكومي والحضور داخل الديوان الملكي، لتظل تجربتها إحدى أبرز المحطات المبكرة في انتقال المرأة المغربية من المشاركة في تدبير الشأن العام إلى الحضور المباشر داخل دوائر القرار العليا.

وبعد أكثر من ربع قرن على تعيين زليخة نصري مستشارة للملك، دخل المغرب، في 29 شتنبر 2026، محطة أخرى غير مسبوقة في تاريخ المملكة المغربية ، بتعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، عقب تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية.

وجاء هذا التعيين في إطار الفصل 47 من دستور 2011، الذي ينص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، وهو ما يمنح هذه المحطة دلالة دستورية وسياسية تتجاوز رمزية كون المنصوري أول امرأة تصل إلى هذا المنصب.

فالحديث هنا لا يتعلق فقط بوصول امرأة إلى حقيبة وزارية أو رئاسة جماعة أو مؤسسة منتخبة أو منصب استشاري، بل ببلوغها للمرة الأولى قيادة الجهاز التنفيذي، بما يحمله هذا الموقع من مسؤولية في تشكيل الحكومة وقيادة عملها وتنسيق سياساتها وتحمل المسؤولية السياسية أمام البرلمان والرأي العام.

وبين زليخة نصري وفاطمة الزهراء المنصوري، تختلف طبيعة المنصب والسياق الدستوري والمرحلة السياسية، لكن الجامع بين التجربتين أنهما كسرتا حاجزين ظلا لسنوات طويلة خارج الحضور النسائي، الأولى فتحت باب المستشارية الملكية أمام المرأة، والثانية عبرت إلى رئاسة الحكومة.

وخلال السنوات الفاصلة بين المحطتين، توسع حضور النساء المغربيات في عدد من مجالات القرار، سواء داخل الحكومة أو البرلمان أو القضاء أو الإدارة الترابية والمؤسسات العمومية والدبلوماسية والجماعات المنتخبة، كما تولت نساء مسؤوليات في قطاعات اقتصادية ومالية واستراتيجية كانت إلى وقت قريب مرتبطة أساسا بالرجال.

غير أن هذا التطور لا يعني أن مسار المناصفة قد اكتمل، إذ لم يعد النقاش اليوم مقتصرا على عدد النساء داخل المؤسسات، وإنما أصبح مرتبطا كذلك بطبيعة المواقع التي يشغلنها، وحجم المسؤوليات والصلاحيات المسندة إليهن، ومدى حضورهن الفعلي في صياغة السياسات العمومية واتخاذ القرارات الكبرى.

ومن هذه الزاوية، تمثل زليخة نصري وفاطمة الزهراء المنصوري محطتين بارزتين في تاريخ تطور موقع المرأة داخل الدولة المغربية: الأولى ارتبط اسمها ببداية حضور نسائي غير مسبوق داخل دائرة المستشارين الملكيين، والثانية تجسد انتقال هذا الحضور إلى رأس السلطة التنفيذية.

وهكذا، فإن المسافة الممتدة بين سنة 2000 وسنة 2026 لا تعكس فقط تطور المسار الشخصي لامرأتين بارزتين، بل تختزل تحولا أوسع في موقع المرأة المغربية داخل الحياة العامة. فمن زليخة نصري إلى فاطمة الزهراء المنصوري، انتقلت المرأة تدريجيا من الاقتراب من دوائر القرار إلى تولي المسؤولية داخله، في مسار ما زال مفتوحا على تحديات المناصفة وتوسيع حضور الكفاءات النسائية في مختلف مراكز المسؤولية.

ح.ا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.