تتجاوز معركة التموقع في الحكومة المقبلة مجرد البحث عن حقائب وزارية، لتطرح سؤالاً أعمق بشأن قدرة الأحزاب على مغادرة السلطة والتعايش مع تبعات الانتقال إلى المعارضة، وهذا ما ينطبق على التجمع الوطني للأحرار،و يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة، بالنظر إلى ارتباط الحزب بتدبير قطاعات حكومية وازنة، وما قد يترتب عن خروجه من الأغلبية من إعادة فتح النقاش حول حصيلته.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة حديث نزار بركة عن رفض المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة مشاركة الأحرار في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري باعتباره رسالة ذات وجهين: “تحفيز الداخل الاستقلالي على الانخراط في التحالف المقبل، وإرباك حسابات قيادة “الحمامة” التي تسعى إلى الاحتفاظ بموقعها داخل الأغلبية، غير أن هذه القراءة تظل مرتبطة بتأكيد الموقف المنسوب إلى “البام” وحدود ما يعنيه بالنسبة إلى المشاورات.
فنزار بركة، بإثارته احتمال استبعاد الأحرار، يضع حزب الاستقلال في موقع تفاوضي أكثر قوة، ويبعث إلى محمد شوكي بإشارة مفادها “أن استمرار المشاركة ليس مضموناً”، و يعيد إلى الواجهة أثر التراشق الانتخابي بين الأحزاب، ومدى إمكان تجاوز عباراته الجارحة وقت بناء حكومة مشتركة.
لكن مأزق الأحرار، إذا انتهى إلى المعارضة، لن يقتصر على فقدان مواقع المسؤولية فقط، بل سيجد نفسه مطالباً بإنتاج خطاب رقابي تجاه سياسات ساهم في صياغتها أو تنفيذها، وبإقناع الرأي العام بأن نقده للحكومة المقبلة يستند إلى بدائل واضحة، وليس إلى مجرد تبدل موقعه من السلطة.
وثمة فرضية سياسية أخرى تستحق النقاش: أن يكون الحرص على البقاء في الحكومة مرتبطا أيضا بالقلق من اتساع مساءلة الحصيلة، وإعادة طرح ملفات قطاعات تولى مسؤولون من الحزب تدبيرها لسنوات، خصوصا الفلاحة والصيد البحري، والمالية، وغيرها، وهذه فرضية لا يجوز تحويلها إلى اتهام ثابت، فالرغبة في المشاركة لا تثبت بذاتها وجود ملفات مخالفة للقانون أو سعي إلى الإفلات من المحاسبة.
ومع ذلك، فإن الانتقال إلى المعارضة قد يتيح للأغلبية الجديدة، وللبرلمان والصحافة، مساحة أوسع لطرح أسئلة بشأن السياسات السابقة: “ما نتائج البرامج؟ وكيف وُزعت موارد الدعم؟ ومن استفاد منها؟ وهل تحققت الأهداف المعلنة؟ وما مدى نجاعة التدبير وحماية المال العام؟”، وهي أسئلة مشروعة في هذه القطاعات وغيرها، متى استندت إلى وثائق ومعطيات قابلة للتحقق.
لكن حزب “الحمامة” قد يواجه كلفة سياسية متزايدة، إذا أصبح تدبيره السابق موضوع تقييم أكثر تفصيلاً، خصوصا حين تتقاطع مسؤولية الحزب مع مسؤوليات قيادات ارتبطت صورتها بتلك القطاعات، التي كانت مواضيح حديث الشارع، و.
الحديث الذي يُنسبه هذا النقاش إلى عبد الإله ابن كيران بشأن محاسبة عزيز أخنوش، وهذا الخطاب يضغط سياسيا على حزب الأحرار، لكنه لا يقوم مقام نتائج افتحاص أو تحقيق، ولا يثبت مسؤولية قانونية، كما أن نسبة تصريح محدد إلى ابن كيران تقتضي الرجوع إلى تسجيله أو نصه الأصلي، حتى لا يتحول التحليل إلى إعادة إنتاج لعبارات غير موثقة.
وهنا تظهر صعوبة موقع محمد شوكي، لانه مطالب بالدفاع عن مستقبل الحزب، و بإدارة الإرث السياسي لمرحلة أخنوش. وإذا انتقل الأحرار إلى المعارضة، فقد يجد نفسه في مواجهة مزدوجة، مساءلة الحكومة الجديدة من جهة، والرد على الأسئلة المتعلقة بحصيلته السابقة من جهة أخرى، إضافة الى ان الانتقال الى المعارضة أكثر تعقيداً، فالمعارضة تحتاج إلى أدوات رقابية، وخطاب متماسك، واستعداد للاعتراف بما لم يتحقق أثناء تحمل المسؤولية، وسيكون من الصعب على الحزب المطالبة بالشفافية من خصومه إذا لم يُظهر الاستعداد نفسه لتوضيح حصيلته.
لهذا، فإن امتحان الأحرار الحقيقي يتجاوز دخوله الحكومة أو بقائه خارجها، إنه امتحان قدرته على الفصل بين الدفاع المشروع عن اختياراته وبين رفض مساءلتها، فالمشاركة الحكومية لا تمنح حصانة سياسية، والمعارضة لا تعني الإدانة، وفي الحالتين، ينبغي أن تبقى الحصيلة مفتوحة أمام التقييم، وأن تستند المحاسبة إلى الوقائع والمؤسسات، لا إلى التهديد أو تصفية الحسابات..!