يفتح حسم الأغلبية الحكومية في تحالف رباعي يضم الأصالة والمعاصرة ، حزب الاستقلال ، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، والتقدم والاشتراكية ، مرحلة سياسية دقيقة بالنسبة إلى التجمع الوطني للأحرار. فالحزب الذي قاد التجربة الحكومية السابقة يجد نفسه خارج التحالف الجديد، أمام تحدي الانتقال من موقع الدفاع عن القرارات إلى موقع مراقبتها ومساءلة القائمين عليها.
وبحسب المصادر الحزبية المشار إليها، أبدت قيادة الأحرار، قبل انتهاء المشاورات، استعدادا لتخفيف شروط المشاركة وقبول تمثيلية وزارية محدودة. وإذا صحت هذه المعطيات، فإنها تعكس أهمية استمرار الحضور الحكومي في حسابات الحزب، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد أسباب تعثر التوافق أو طبيعة التحفظات التي حالت دون مشاركته.
سياسيا، يمكن فهم هذه المرونة في ضوء كلفة الانتقال إلى المعارضة. فمغادرة الحكومة تفرض على الحزب إعادة ترتيب أولوياته وأدوات اشتغاله وعلاقته بالرأي العام، بعدما ارتبط خطابه بالدفاع عن حصيلة التدبير وتبرير الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية.
ويكمن التحدي الأبرز في كيفية بناء خطاب نقدي تجاه سياسات كان الأحرار مسؤولا عن إطلاقها أو تنفيذها. فإذا واصلت الحكومة المقبلة بعض هذه البرامج، فسيكون مطالبا بالتمييز بين الدفاع عن اختياراته السابقة ومساءلة طريقة تطبيقها ونتائجها. أما انتقادها جملةً، دون تفسير التحول في موقفه، فقد يضعف صدقية خطابه ويمنح منافسيه مادة لمواجهته داخل البرلمان.
وفي فضاء المعارضة، سيواجه الأحرار منافسة من العدالة والتنمية وتحالف اليسار، اللذين يستطيعان مواصلة نقد التجربة السابقة من موقع أكثر اتساقا مع خطابهما تجاهها. وهذا لا يعني بالضرورة احتكارهما للمبادرة، لكنه يجعل مهمة التجمع أصعب: “كيف يقدم إضافة سياسية واضحة، ويشرح للمواطنين ما الذي تغير في رؤيته وما الذي ما يزال يدافع عنه؟”.
وقد يتيح التقارب مع الحركة الشعبية تنسيقا في بعض القضايا والأسئلة والمبادرات البرلمانية، غير أن الالتقاء الظرفي لا يكفي لبناء جبهة معارضة منسجمة. فلكل حزب مرجعيته وحساباته، وسيظل أثر التنسيق مرتبطاً بوجود أولويات مشتركة ومقترحات عملية.
وكان محمد شوكي قد أكد أن خدمة البلاد ممكنة من مختلف المواقع، بما فيها المعارضة. وتمنح هذه العبارة الحزب أساساً سياسياً لتدبير المرحلة، لكنها تحتاج إلى ترجمة في الأداء: حضور برلماني منتظم، ومساءلة دقيقة، وبدائل قابلة للتنفيذ، ومراجعة صريحة لما نجح وما تعثر في التجربة السابقة.
وسيُقاس نجاح الأحرار في موقعه الجديد بقدرته على تحويل خبرته الحكومية إلى قيمة رقابية واقتراحية. فالمعارضة قد تتيح له تجديد خطابه واستعادة المبادرة، شرط أن يتحمل مسؤولية حصيلته وأن يبني نقده على مصالح المواطنين. عندها يصبح الخروج من الحكومة فرصة للمراجعة السياسية، بدلاً من أن يظل مجرد خسارة للموقع التنفيذي
ح/م