صدر حديثاً للباحث إسماعيل الحمراوي كتابٌ جديد بعنوان «مملكة الأوراش: حين تصنع إرادة الملك ملحمة الوطن»، في 227 صفحة، بتقديم الدكتور حسن طارق وسيط المملكة وأستاذ جامعي. ويُمثِّل هذا الإصدار إضافةً نوعية إلى المكتبة السياسية والأكاديمية المغربية، إذ يُقدِّم قراءةً تحليلية شاملة لمسار ربع قرن ونيف من التحولات الهيكلية التي عرفتها المملكة المغربية منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه الكرام في يوليوز 1999.
ينطلق الكتاب من سؤال محوري: كيف استطاعت المؤسسة الملكية، في ظرف وجيز نسبياً، إنجاز سلسلة من الأوراش والإصلاحات الهيكلية التي مسّت مختلف القطاعات، وأسهمت في إعادة تشكيل نموذج الدولة المغربية؟ ويُقارب المؤلف هذا السؤال من خلال تحليل يتجاوز الوصف والإحصاء، ليكشف المنطق الاستراتيجي الذي يربط بين مختلف المشاريع والإصلاحات، باعتبارها تعبيراً عن رؤية متكاملة للدولة والتنمية. وقد اعتمد إطاراً تحليلياً مزدوجاً يرتكز على مفهومَي «الدولة الاستراتيجية» التي تملك رؤية تتجاوز أفق الدورات الانتخابية، و«الرواية التأسيسية» التي تمنح مجموع الأوراش معنىً سياسياً ومجتمعياً يتخطى مجموع أجزائه.
ويُقدِّم الكتاب مفهوم «مملكة الأوراش» باعتباره فلسفةً في الحكم تقوم على الدولة المبادِرة والدولة الاجتماعية ودولة الثقة، حيث تتحول التنمية إلى رافعة لتعزيز الشرعية وتجديد العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن. ويستحضر المؤلف في هذا السياق مسار المغرب عبر مؤشر التنمية البشرية الأممي، الذي ارتفع من 0.471 سنة 1990 إلى 0.710 في تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لسنة 2025، لتنتقل المملكة لأول مرة في تاريخها إلى فئة «عالية التنمية البشرية».
يتوزع الكتاب على ثلاثة محاور رئيسية وستة فصول تفصيلية. يتناول المحور الأول أوراش التنمية البشرية والإصلاح المؤسسي، من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أطلقت سنة 2005 ومولت أكثر من 43,000 مشروع باستثمارات تجاوزت 51 مليار درهم واستفاد منها أكثر من 10 ملايين شخص، إلى منظومة الحماية الاجتماعية الشاملة التي تبلغ تكلفتها السنوية 51 مليار درهم وتستهدف تعميم التغطية الصحية لـ22 مليون مواطن، مروراً بالإصلاح الدستوري لسنة 2011 وهيئة الإنصاف والمصالحة وتأهيل الحقل الديني.
أما المحور الثاني فيُخصَّص لتحليل الأوراش الاقتصادية والبنيوية والاستراتيجية الكبرى، ويقف عند مشاريع هيكلية فارقة: قطار البراق، أول قطار فائق السرعة في القارة الإفريقية، بكلفة 23 مليار درهم على مسافة 323 كيلومتراً وبسرعة قصوى 320 كيلومتراً في الساعة، مُسجِّلاً 5.5 ملايين مسافر سنة 2024؛ وميناء طنجة المتوسط الذي تجاوز حاجز 10.24 مليون حاوية نمطية مناولةً سنة 2024 بنمو 18.8%، ليُرسِّخ موقعه ضمن أكبر موانئ البحر الأبيض المتوسط؛ فضلاً عن ميناء الداخلة الأطلسي والنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية بميزانية 77 مليار درهم تشمل 36 مشروعاً هيكلياً كبيراً. وفي مجال الطاقة، يرصد الكتاب ارتفاع حصة الطاقات المتجددة من 10% سنة 2009 إلى 38% سنة 2023 في مسار يستهدف بلوغ 52% بحلول 2030، يُجسِّده مجمع نور ورزازات للطاقة الشمسية بطاقة 582 ميغاواط.
ويرصد المحور الثالث تطور مكانة الشباب في الخطاب الملكي السامي عبر أربع مراحل زمنية بين 1999 و2024، كاشفاً عن تحول عميق في فلسفة الدولة: من نموذج الرعاية الذي يُعامل الشباب موضوعاً للسياسات، إلى نموذج التمكين الذي يجعله فاعلاً حقيقياً في المشروع التنموي الوطني، ومُستثمَراً استراتيجياً في الرأسمال البشري بوصفه شرطاً لاستدامة التنمية.
كما يتوقف الكتاب عند الأبعاد الجيوسياسية لهذه الأوراش، من الانفتاح الأفريقي الذي تجلّى في أكثر من 51 زيارة ملكية لـ26 دولة إفريقية، إلى مشروع أنبوب الغاز المغرب-نيجيريا الممتد على 5,600 كيلومتر عبر 13 دولة بتكلفة 12.75 مليار يورو، مروراً بترسيم المجالات البحرية وصدور قرار مجلس الأمن 2797 في أكتوبر 2025 بتأييد 11 دولة من أصل 15 دعماً صريحاً لمقترح الحكم الذاتي، باعتبارها مكونات لرؤية استراتيجية تروم تعزيز المكانة الإقليمية والدولية للمملكة.
ويخلص الكتاب إلى أن «مملكة الأوراش» ليست مجرد توثيق لسلسلة من المشاريع، بل محاولة لفهم فكرة الدولة المغربية الحديثة وكيف تحولت إرادة الإصلاح إلى رؤية حضارية بعيدة المدى، استطاعت أن تُوفِّق بين التجديد والاستمرارية، وبين التنمية والاستقرار، وبين التراكم المؤسسي واستشراف المستقبل — وذلك عبر أكثر من عشرين حكومة لم تُوقف مسيرة الأوراش الكبرى.
يتضمن الكتاب ملخصاً أكاديمياً معتمداً بأربع لغات — العربية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية — مما يُتيح تداوله في الفضاءات الأكاديمية والدبلوماسية الدولية. ويأتي هذا الإصدار ليُضيف لبنةً جديدة إلى المسار البحثي والفكري لإسماعيل الحمراوي، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية والمدير الجهوي لقطاع الشباب بجهة فاس-مكناس، ومساهمةً في النقاش الأكاديمي حول التجربة المغربية في التنمية والإصلاح من خلال قراءة تحليلية تضع تجربة المغرب في سياقها الوطني والإقليمي والدولي.