يحمل بلاغ الديوان الملكي، الصادر عقب اجتماع مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026، تصورا مغربيا واضحا لمرحلة جديدة في قضية الصحراء، تتجاوز التعامل مع عدم تمديد مهمة المينورسو باعتباره واقعة إجرائية، إلى اعتباره مدخلا لتغيير الإطار الذي ظل يؤطر النزاع طوال عقود، فالبلاغ يربط انتهاء مهمة البعثة بطي صفحة امتدت 35 سنة، ويضع هذا التطور ضمن توجه يروم تجاوز إدارة الجمود نحو تغيير محدداته السياسية والدبلوماسية.
وتستمد هذه القراءة قوتها من ارتباطها برؤية ملكية سبق التعبير عنها في الانتقال من مرحلة التدبير إلى مرحلة التغيير. وقد استحضر الملك محمد السادس هذا التحول في خطابه يوم 31 أكتوبر 2025، رابطا المرحلة الجديدة بترسيخ مغربية الصحراء والسعي إلى تسوية توافقية على أساس مبادرة الحكم الذاتي. وبذلك، يأتي البلاغ الأخير ليعطي لهذا التوجه بعدا عمليا، من خلال إعلان الموقف المغربي من مستقبل البعثة والمسار الذي ارتبط بها.
لقد أحدثت المينورسو سنة 1991 في سياق دولي وإقليمي مختلف، لتنفيذ مخطط تسوية ارتبط بتنظيم استفتاء ومراقبة وقف إطلاق النار. وبعد مرور ثلاثة عقود ونصف، لم ينظم الاستفتاء، ولم تتحقق التسوية السياسية المنشودة. وهذه حصيلة تطرح سؤالا مشروعا بشأن جدوى استمرار آلية ارتبط اسمها بهدف تعذر إنجازه، بينما تغيرت المعطيات الميدانية والدبلوماسية والتنموية التي تحيط بالقضية.
ومع ذلك، فإن التقييم الدقيق يقتضي التمييز بين إخفاق المسار في تحقيق التسوية، والأدوار الميدانية التي اضطلعت بها البعثة. فقد ساهمت المينورسو، وفق عرض الأمم المتحدة لمهامها، في المراقبة والإبلاغ وخفض التوتر. غير أن هذه الوظائف، مهما كانت أهميتها، لم تتحول إلى تقدم سياسي ينهي النزاع، وهو ما يجعل مراجعة الإطار القائم أمرا قابلا للنقاش، خصوصا حين يصبح استمرار المؤسسات منفصلا عن بلوغ الغاية التي أنشئت من أجلها.
وقد زادت تطورات نونبر 2020 من حدة هذا السؤال. فالموقع الرسمي للبعثة يسجل أن وقف إطلاق النار ظل قائما عموما منذ انتشارها سنة 1991، إلى أن أعلنت البوليساريو انسحابها منه واستئناف العمل المسلح سنة 2020. ومنذ ذلك الحين، أصبح التناقض أكثر وضوحا بين وجود بعثة للمراقبة، ورفض أحد الأطراف الالتزام بالترتيب الذي يشكل أساسا لعملها.
وفي هذا السياق، يكتسب تجديد المغرب تمسكه بوقف إطلاق النار، ضمن بلاغ الديوان الملكي، دلالة أساسية. فهو يؤكد أن الموقف من مستقبل المينورسو لا يعني التخلي عن خيار الاستقرار، وأن المطالبة بتغيير الإطار الأممي تقترن بالتشديد على سلامة الأراضي والأمن الوطني وطمأنينة المواطنين. وتبرز هنا مسؤولية الدولة في الجمع بين الدفاع عن السيادة وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
أما الاستفتاء، فقد كشف تعثره الطويل حدود مقاربة لم تنجح في تجاوز الخلافات المرتبطة بشروط تنظيمه. ومن هذا المنظور، قدم المغرب مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007 باعتبارها مخرجا سياسيا يجمع بين السيادة الوطنية وتدبير السكان لشؤونهم المحلية. وقيمة المبادرة أنها تنقل النقاش نحو مضمون المؤسسات والصلاحيات والضمانات، وتتيح مناقشة ترتيبات عملية لمستقبل المنطقة.
وقد عزز القرار 2797، المعتمد يوم 31 أكتوبر 2025، موقع المبادرة المغربية، إذ دعا إلى مفاوضات تتخذها أساسا، واعتبر أن حكما ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية قد يمثل الحل الأكثر قابلية للتطبيق. وهذه مكاسب دبلوماسية مهمة، تستمد قوتها من صياغتها الفعلية؛ فالقرار أبقى أيضا على هدف الحل السياسي النهائي والمقبول من الأطراف، ورحب بالمقترحات البناءة، ولذلك ينبغي التمييز بين مركزية الحكم الذاتي في النص وبين القول إن المجلس أقر تسوية نهائية مكتملة.
ويضيف تزامن التطور الأخير مع عيد الوحدة بعدا وطنيا ورمزيا. فالاحتفاء بالوحدة يستحضر التضحيات التي قدمها المغاربة، ويصل الذاكرة الوطنية بالتحولات الدبلوماسية الراهنة. وتزداد هذه الرمزية قوة حين تقترن بمواصلة التنمية في الأقاليم الجنوبية، وتوسيع المشاركة، وتحسين الخدمات، بما يمنح الدفاع عن الوحدة الترابية امتداده اليومي في حياة السكان.
وأكثر مضامين البلاغ دلالة هو دعوته إلى إنهاء الإحالة الدورية للملف على مجلس الأمن، وما يرتبط بها من تقارير وإحاطات. وهذه صياغة تعبر عن موقف مغربي يسعى إلى إنهاء نمط من التدويل يرى أنه استنفد غايته. غير أن ترجمة هذا الموقف داخل المنظومة الأممية تظل مرتبطة بإجراءاتها وقرارات أجهزتها؛ فانتهاء ولاية بعثة لا يساوي، بمجرده، سحب قضية تلقائيا من جدول أعمال المجلس.
كما ينبغي ضبط التسلسل الزمني: عدم التمديد وقع في اجتماع 30 أكتوبر، بينما كان القرار السابق يحدد نهاية الولاية في 31 أكتوبر 2026. أما إنهاء الوجود الميداني، بما يشمله من طواقم ومعدات ومواقع، فهو عملية تنفيذية تالية. وهذا التمييز يساعد على تقدير حجم التحول ومتابعة تنفيذه، ويمنح الخطاب الوطني دقة تزيده قوة ومصداقية.
يفتح البلاغ، بذلك، أفقا لعمل دبلوماسي متواصل، يقوم على تحويل الدعم الدولي إلى مواقف ومبادرات ملموسة، وتعزيز الشراكات الثنائية والإقليمية، وترسيخ التنمية والاستقرار في الأقاليم الجنوبية. ومن منظور الموقف الوطني المغربي، فإن عبارة «المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها» تجد امتدادها في هذا الربط بين ثبات السيادة وتجدد وسائل الدفاع عنها. والتغيير المنشود يقاس بقدرة هذه المرحلة على تجاوز الانتظار، وبناء تسوية دائمة تنهي استنزاف المنطقة وتفتح أمام شعوبها فرص التعاون.