د. خالد فتحي: لايمثل انتخاب عبدول السيد كأول مسلم يصل إلى مجلس الشيوخ الأمريكي انتصارا رمزيا للتعدد الديني فقط ، بل إن دلالته الأعمق تكمن ايضا في البوابة السياسية التي دخل منها: بوابة اليسار التقدمي، بما يحمله من أفكار حول العدالة الاجتماعية، وحقوق الأقليات، ومناهضة التمييز، وإعادة توزيع الثروة والسلطة.
فالرجل لم يقدم نفسه باعتباره ممثلا للمسلمين، وإنما باعتباره وجها لتيار أمريكي يريد إعادة النظر في علاقة الدولة بالمجتمع، وفي هيمنة الشركات والأثرياء على القرار السياسي. وقد اختصر برنامجه في ثلاثية لافتة: إخراج المال من السياسة، وإعادة المال إلى جيوب المواطنين، وتوفير الرعاية الصحية للجميع. كما دعا إلى فرض ضرائب أكبر على الثروات الكبرى، والحد من نفوذ الشركات، واتخذ مواقف حادة من الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل وانتقد الحرب في غزة.
أهمية السيد لم تكمن في مواجهته الشرسة للجمهوريين فقط ؛ فقد خاض كذلك معركة ضد المؤسسة التقليدية داخل حزبه الديمقراطي، وانتزع ترشيح الحزب من مرشحة حظيت بدعم قياداته ونفوذ جماعات الضغط. إنه يمثل جيلا من اليسار لا يكتف بمنافسة ترامب، بل مارس نقدا ذاتيا و انتقد بداية ديمقراطيين يعتبر أنهم ابتعدوا عن الطبقة العاملة وانشغلوا بحسابات النخب ومصالح الممولين.
وهنا تبرز المفارقة: الإسلام، الذي ظل في قطاعات من الخطاب اليميني الأمريكي موضوعا للتوجس والاتهام، وجد طريقه إلى إحدى أهم مؤسسات الدولة عبر تحالف سياسي تقدمي يدافع عن التعدد الثقافي والديني.
قد حاول ترامب تحويل ديانة السيد واسمه وأصوله إلى أدوات للتشكيك في وطنيته، لكن هذا الأخير نازع بكل اقتدار خصومه على تعريف الوطنية نفسها، مقدما نفسه مواطنا أمريكيا لا تقل أمريكية عن من يهاجمونه.
وهذا يتقاطع، دون أن يتطابق، مع ما يعرف بالويكيزم (Wokisme)، أي ثقافة اليقظة تجاه التمييز، والدفاع عن الأقليات ومناهضة الإقصاء. غير أن تجربة هذا الطبيب الديمقراطي تتجاوز بكثير معركة الهوية؛ وتلك قوته ، فهي تربط الاعتراف الثقافي بالعدالة الاقتصادية، وتجمع بين حقوق الفئات المهمشة ومطالب العمال والشباب والطبقات المتضررة من غلاء المعيشة واتساع الفوارق.
وهكذا يلتقي في برنامجه المسلم واللاتيني والأسود والعامل والشاب حول مصالح مشتركة، رغم اختلاف مرجعياتهم. ولعل الجديد في هذه التجربة أنه بدلا من أن يظل المسلم مسلما، واللاتيني لاتينيا، والأسود أسودا، كل في معركته الخاصة من أجل الاعتراف والإنصاف، يصبحون جميعا مواطنين لهم مطالب اجتماعية واحدة.
لكن نجاحه في نسج هذا التحالف لا يخلو بدوره من تناقضات، فالتقارب في قضايا التمييز والرعاية الصحية وفلسطين لا يعني بالضرورة الاتفاق في قضايا الأسرة والأخلاق والهوية.
كما أن نجاح هذا التيار انتخابيا الذي يعد السيد الآن أبرز وجوهه لا يعني ابدا أن طريقه إلى حكم أمريكا برمتها سيكون سهلا. فثمة مسافة بين بناء تحالف احتجاجي قادر على إسقاط مرشحي المؤسسة التقليدية، وبين امتلاك برنامج متماسك يستطيع الصمود أمام ضغوط الاقتصاد ومراكز النفوذ وموازين القوى . و لذلك قد يجد اليسار التقدمي الوليد نفسه مضطرا إلى المساومة، أو إلى الاختيار بين نقاء شعاراته وضرورات السياسة العملية. وهنا سيظهر ما إذا كان قادرا على تحويل الغضب الاجتماعي إلى إصلاحات ملموسة، أم أنه سيظل أسير خطاب المعارضة والاحتجاج.
إن انتخاب عبد الرحمن محمد السيد ليكشف عن محاولة لإعادة تركيب التحالفات السياسية الأمريكية، وربما عن صعود شعبوية يسارية لا تنازع ترامب على السلطة فقط ، بل على تمثيل المواطن العادي والتحدث باسمه.
فإذا كانت الشعبوية اليمينية تستثمر في القومية والخوف من الآخر، فإن اليساريين الجدد يحاولون بناء شعبوية اجتماعية تستثمر في غضب الطبقات المتضررة من هيمنة النخب الاقتصادية.
فهل نحن أمام ولادة يسار أمريكي جديد يستطيع الجمع بين العدالة الاقتصادية والتعدد الثقافي، وتحويل الاحتجاج إلى مشروع حكم؟ أم أن تناقضاته الداخلية ستحد من قدرته على الاستمرار؟
ذلك هو السؤال الذي يجعل من هذا الانتخاب حدثا يتجاوز هوية الفائز، ليصبح مؤشرا على معركة أوسع حول مستقبل اليسار ومعنى المواطنة وتعريف أمريكا نفسها.