منابع فاس الاستشفائية والجهوية السلطانية

فاس مدينة تاريخية من عهد الدولة الادريسية، يضفي موقعها العتيق من سفح مرتفع بالمدينة جمالية خاصة، كاللوحة المنبسطة من عنان السماء، وتتركب في عمرانها العتيق من عدوتين عدوة الأندلس التي ترجع في تأسيسها إلى أبا عمران الفاسي، وعدوة القرويين وترجع إلى عهد فاطمة الفهرية .

وبعد عصرها الإداري عاصمة للمغرب عهد الأدارسة والمرنيين والعلويين، وعصرها الوحدوي بين الأمويين والأدارسة، والمرابطين والموحدين، حملت اسم العاصمة العلمية للمغرب من جامعة القرويين العتيقة .

تشتهر المدينة العتيقة بالصناعة التقليدية، والحرف المهنية، والمباني التاريخية ذات الزخرفة المعمارية، والمدارس العلمية، وأسواق التجارة المحلية والقارية، تعمرها الأزقة المدرجة والمتعرجة بين الدروب الضيقة والأسواق المزدحمة، تزين نظارتها الحدائق البهيجة، فضلا عن مجاريها المائية، ومنابعها الاستشفائية، وعيونها العذبة الدافئة .

ومن هاته المنابع المتميزة التي تحيط بالجوار من خارج أسوار المدينة وعمرانها المعاصر، اكتسبت صيتا اجتماعيا زاد من سمعتها التاريخية، كالعمران الحديث الذي يرصف مجالها المحيط بالوسط العتيق .

المنابع الاستشفائية :  

اكتسبت هذه المنابع العميقة فضلا عن قيمتها الصحية، قيمة تاريخية ارتبطت بشخصيات تاريخية وعلمية، كدلالة طبيعية على نبوغ المدينة من التاريخ والعلم ، وينبوعها من المياه الدافقة من السطح و الأعماق الباطنية، وهي على ما يلي :

حامة مولاي يعقوب :  

عرف الموقع من عهده الأول من لسان العموم باسم منبع عين الشفاء، لصلاحية مياهه الشبه البركانية المرتفعة الحرارة والخاصة بعلاج الأمراض الجلدية ذات الجروح الدملة .

وعهد إقامة حوض غائر أرضي بديل عن مجرى الانسياب المائي للاستحمام من المكان، أطلق عليه اسم مولاي يعقوب، نسبة الينبوع والعلاج الشافي منه لعهد يعقوب المنصور الموحدي، الذي يتيمن الزوار باسمه من دخولهم الحوض المائي الساخن، والتوجه بأجسامهم الباردة نحو مصب العين بالمياه الفائرة .

وخلال حصول المغرب على الاستقلال بني على مصب العين صهريج، للاستحمام الجماعي من تدفقات المصب في الحوض، كما بني بعد ذلك من المكان حامة تغطي الحوض، تشتغل على مدار الساعة ويسهر عليها أعوان لحراسة الملابس، كما تحتوي الحامة على جناحين خاصين للرجال والنساء .

ويشتغل من الحامة بالحوض عدد من الممارسين للتدليك، لفائدة المستحمين الراغبين في استحمام جيد، ينعش الجسم ويرخي على النفس بالراحة من بعد الاستحمام .

وبعد تطور العمران من المكان وتحول مجاله الترابي من قروي بسيط، ارتقى فضاء الحامة إلى مركز حضري ثم إلى مستوى عمالة، انعكس على مستوى الاصلاح من الحامة، وأضحت أماكن الولوج اليها فضلا عن احتضانها للعموم، تعزيز فضائها بمرافق خاصة بالفئات السياحية التي تتوفر على الاستشارة الطبية والتغطية الصحية .

ومياه الحامة غنية بالمادة الكبريتية السوداء، التي تغطي الأجواء بضبابية الرطوبة الخانقة، على بعد مئات الأمتار من مصب العين بالصهريج .

وهي مياه ذات خصائص علاجية لبعض الأمراض الجلدية، لا تستساغ مياهها للشرب كما لا تصلح إلى الري الزراعي .

منابع سيدي حرازم :  

هي منابع عذبة فاترة الحرارة صالحة للشرب خفيفة على الأبدان، يقصدها الساكنة للارتواء من مياهها التي تشفي دواخلهم، وتنعش تواصلهم من رحاب سيدي حرازم، وهو شخصية عالمة من أعلام القرويين، تشرب طلبة عصره من علومه، كما تشرب زواره من منابع مياهه .

ولجودة تلك المياه وصلاحيتها التحويلية لمنتوجات تسويقية، أقيمت بالمنطقة على المنابع معمل لتصفية المياه ومعالجتها في قوارير بلاستيكية للاستهلاك العام، قربت للعموم المياه من منابعها، نحو الموائد من مجامعها .

وتحتوي المنابع على فندق سياحي، ومطاعم عمومية، وفضاءات أنيقة وفسيحة للراحة، من ساحة أنابيب الشرب المائية .

عين الله :  

تحمل الاسم من الملك الحسن الثاني، بعد أن تم اكتشاف منابعها من أشغال كانت جارية على تلك الارضية، التي تعود ملكيتها إلى شخصية الحسن الثاني .

وقد أطلق عليها الساكنة أولا اسم عين السلطان، غير أن الملك فضل أن يطلق عليها اسم عين الله، ومياهها فاترة الحرارة شبيهة الجودة من مياه سيدي حرازم .

وقد أقيم على منبع العين المائي مباني تحتوي على صهريج فسيح مغطى للاستحمام العام، وفضاء لوقوف السيارات يقصده الزوار والمارة من جانب الطريق .

المغرب والتدرج التاريخي بالجهوية :  

تتجلى جهوية المغرب التاريخية من العهود المرابطية، والعلاقة التاريخية مع الخليفة العباسي من بغداد، كون المرابطين كانوا أدارسة وأمويين يحملون اللقب الأميري من الاسلام، وهو ما كان يثير حفيظة الخليفة العباسي أمير المؤمنين هارون الرشيد لحساسية الموقف المرابطي مع المسيحيين من بلاد الأندلس، وكذا حساسية المرابطين من الموقف العباسي من العلويين بالمشرق.

ومن تم كان الحكم يعتمد في الدولة العربية ذات النظام الاسلامي العربي على الجهوية المذهبية، وعلى الطائفية المسيحية .

وبالنسبة للمغرب الأقصى، كان يسمى من العهد المرابطي عند المشارقة ببلاد مراكش، كما كان يعرف أهل مراكش وقتها من الوسط الايبيري بالموريسكيين، أي المراكشيين أهل قصر الحمراء، وكان خدام القصر من الندل يحملون اسم أندلسيين .

وحين خرج العرب المورسكيين المراكشيين من بلاد الأندلس، نزلوا عدوة الأندلس من فاس، وحينها انتقل أبا عمران الفاسي أبو عمرو اللمتوني إلى رباط مراكش، حيث سهر وقتها على جمع رباط الفقهاء وعلماء دور القراءة، نحو مدينة فاس من عدوة جامع القرويين، الذي ينسب إلى السيدة أم البنين فاطمة الفهرية .

ومن ثمة كانت لمة وحدة الموريسكيين الملتئمة وإخوتهم الأندلسيين من عدوة مدينة فاس، التي جمعت أصولهم من العرب والغرب .

جهوية المغرب في مواجهة الغرب :  

تعرض المغرب في العصور الوسطى إلى الاحتلال البرتغالي من منطقة الجديدة بالجنوب، ومنطقة العرائش بالشمال، الشيء الذي أدى إلى ظهور دولة الشرفاء السعديين، في إطار جهوي لمواجهة الجيوب الاستعمارية .

وخلال الحقبة واجه محمد المتوكل من مراكش، القوات البرتغالية المتواجدة من برج أزمور الجديدة، والتي انتهت بانسحاب البرتغاليين نحو الشمال .

إذ ذاك تولى أحمد المنصور الذهبي من مدينة فاس، قيادة الحملة الجهادية من المدينة، نحو وادي المخازن بالقصر الكبير لطرد سيباستيان البرتغالي من منطقة العرائش .

ومن ثمة كانت الجهوية في عهد السعديين، جهوية إدارية للدفاع من طابع شمولي بالوحدة الاجتماعية .

جهوية المغرب عهد العلويين :  

هي جهوية قيادية من تراتبية إدارية، أسس لها السلطان الحسن الأول من ذريته، التي تعاقبت على الحكم خلال الحقبة الاستعمارية، التي كان المغرب خلالها محل جدل دولي من نظام الحماية، عهد السلطان المولى عبد العزيز .

السلطان المولى عبد العزيز : 

اتخذ السلطان المولى عبد العزيز مدينة فاس عاصمة إدارية، وكان وقتها نظام الحماية الذي يطرح مشروع إخراج البلاد من حياة العصر الزراعي، إلى الحياة الاجتماعية المعاصرة للنظام الدولي، موضوع جدل فقهي كبير بينه وبين خليفته المولى عبد الحفيظ من مراكش عاصمة الجنوب، آل فيه شأن السلطنة وقتذاك من فاس إلى مراكش من نهاية عهد المولى عبد العزيز، وبداية عهد السلطان المولى عبد الحفيظ .

السلطان المولى عبد الحفيظ :   

تولى السلطان من مراكش التي ناصرته من رأيه في معاهدة الحماية، التي كان يرى فيها تقويضا أجنبيا لمكانة السلطان الدينية والاجتماعية، وهو ما جعل الأوربيين، يعيدون النظر في نصوص المعاهدة من مؤتمر الجزيرة الخضراء، وملاءمتها مع الصلاحيات المطلوبة للأرضية الاجتماعية .

ومن تم زكت الأطراف الأوربية النظام الجهوي على الوتيرة التي ينتهجها البلد خلفا عن سلف، وصارت إدارة الحماية على تسيير البلاد من سلطان مركزي يحكم البلاد، وخليفة له من الحكم بالجهة الأخرى، فضلا عن منطقة طنجة الدولية التي تراقب تطورات الأوضاع العامة من البلاد .

أي أن البلد يحكم مركزيا من طرف السلطان، وجهويا من طرف خليفة له، وهو المسار الذي تميز به نظام الحماية الفرنسية من العاصمة الادارية بالرباط من عهد السلطان المولى يوسف، والخليفة السلطاني من المنطقة الاسبانية بالشمال، والمناطق الجنوبية التابعة لها .

السلطان المولى يوسف :  

بعد الجدل الذي طرحته معاهدة الحماية عهد السلطان المولى عبد العزيز، وانتقالها للتعديل والمراجعة عهد السلطان المولى عبد الحفيظ، تمت الموافقة السلطانية والأوربية على تطبيق بنود المعاهدة تحت الرعاية السلطانية للمولى يوسف بن الحسن سنة 1912 م الموافق 1331هجرية .

ومن ثمة انتهت سلطنة فاس ومراكش، وتواجدت بالرقعة الاجتماعية، الادارة الفرنسية بالعاصمة الرباط، والادارة الاسبانية بالمنطقة الخليفية من تطوان .

ومن جدة العصر الدولي تكون جهوية الحكم السلطاني للمغرب، مستمرة ومتجددة من عقود شرعية وروابط اجتماعية، والتي لم تفقد بريق وجودها والعمل على تزكيتها والنحو على نحوها من جهة التدخلات الدولية، التي يرتبط معها البلد من علاقات رضائية ونفعية لخدمة الصالح العام، ولتوافقات مجريات العلاقات الدولية بين الأطراف المتآلفة، والنائية بنفسها عن الصراع .

حدث

 

التعليقات مغلقة.