العميد الإقليمي بفرقة مكافحة التطرف ومحاربة الإرهاب: المغرب ينهج سياسة استباقية مدعومة بتشريعات قانونية موازية لتفكيك الخلايا الإرهابية

أكد العميد الإقليمي بفرقة مكافحة التطرف ومحاربة الإرهاب بالمكتب المركزي للأبحاث القضائية، السيد محمد النيفاوي، أمس الثلاثاء بالرباط، أن المغرب انخرط بشكل مباشر منذ سنة 2003 في مواجهة الجريمة الإرهابية وتداعياتها من خلال الاعتماد على سياسة استباقية مدعومة بتشريعات قانونية موازية أسفرت عن تفكيك عدة خلايا إرهابية وإجهاض عدد من العمليات التخريبية.

وأوضح السيد النيفاوي في كلمة له خلال المؤتمر الدولي السنوي حول “مكافحة التطرف العنيف: استجابات جديدة لتحديات جديدة”، الذي ينظمه “المرصد المغربي حول التطرف والعنف”، بشراكة مع المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، ومركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، والرابطة المحمدية للعلماء، والذي تتواصل أشغاله حتى يوم الخميس، أن المغرب أفلح منذ سنة 2002، في تفكيك ما مجموعه 209 خلايا إرهابية على خلفية إيقاف ما يزيد عن 3535 شخصا، وإحباط ما يفوق 500 مشروع تخريبي.

وفي هذا الصدد، أكد السيد النيفاوي الذي مث ل المكتب المركزي للأبحاث القضائية في الجلسة الأولى للمؤتمر التي تناولت “التهديدات الأمنية: التحولات والاحتياجات”، أن المغرب يعد رائدا في هذا المجال باعتماده على مقاربة وقائية استباقية وشمولية ترتكز على محاربة ظاهرة التطرف في مهدها قبل استعصاء ضبط تداعياتها الخطيرة على الأمن العام، وذلك من خلال تتبع ورصد نشاط الخلايا المتطرفة والإرهابية واعتقال عناصرها وتقديمهم أمام العدالة، وتشديد المراقبة الأمنية بمختلف النقاط الحدودية، وتطوير المنظومة الأمنية لمواكبة تطورات الجريمة الإرهابية العابرة للحدود، وإصدار مجموعة من التشريعات الرامية إلى مواكبة مخاطر هذه الظاهرة.

ومن بين الإجراءات المتخذة من طرف المملكة في هذا الصدد، عد د المسؤول تدابير تطوير ومراجعة آليات تدبير الشأن الديني ومنع استغلاله من طرف الجماعات والأشخاص، وتفعيل دور المجلس العلمي الأعلى برعاية أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وتوحيد الفتوى التي أصبحت حصريا من اختصاص المجالس العلمية، فضلا عن إحداث معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، وإحداث مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، وكذا تعزيز القوانين الجنائية بشكل يخول المملكة محاربة الإرهاب بشكل مباشر وصريح.

وفي سياق متصل، لفت السيد النيفاوي إلى أن عددا من التنظيمات الإرهابية يستغل استفحال الأزمات والأوضاع الأمنية الهشة بمنطقة الساحل والصحراء بإفريقيا لتنفيذ مخططاته الإجرامية، مسجلا أنه من بين التنظيمات الإرهابية التي انخرطت في تنفيذ المشروع التخريبي لتنظيم (الدولة) “داعش” بالمنطقة هناك تنظيم ما يسمى ب(الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى) بزعامة المدعو عدنان أبو الوليد الصحراوي المزداد بمدينة العيون، وهو أحد عناصر جبهة (البوليساريو).

وتابع قائلا إن “هذا التنظيم الإرهابي نفذ عدة عمليات إرهابية من سنة 2016 إلى غاية مستهل سنة 2020، استهدف من خلالها مواقع ودوريات عسكرية مشتركة تضم عسكريين محليين ودوليين ببلدان النيجر وبوركينافاسو ومالي نجم عنها تدمير عدد من المواقع وسقوط العديد من القتلى والجرحى.

وفي هذا السياق، دعا ممثل المكتب المركزي للأبحاث القضائية في هذا المؤتمر إلى نهج مقاربة أمنية إقليمية تعمل على توحيد الجهود لمحاربة هذه التنظيمات الإرهابية، خصوصا في ظل انتشار الأسلحة بهذه المنطقة بشكل عشوائي وفي مساحات شاسعة غير خاضعة للرقابة، وحصول هذه التنظيمات على كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة جراء تعاملها مع نشطاء الجريمة المنظمة، فضلا عن دعم صفوفها بمقاتلين ينتمون إلى ما يسمى جبهة (البوليساريو) الانفصالية.

وبعد أن حذر من أن من شأن عدم محاربة ترسبات هذا الوضع الإقليمي قبل تفاقمه أن يخلق بؤرا جديدة لاستكمال مخططات (داعش) التوسعية، دعا السيد النيفاوي دول المنطقة إلى الاضطلاع بأدوارها الأمنية والوقائية المطلوبة من خلال تكثيف إجراءات المراقبة بالنقط الحدودية وتبادل المعلومات المتوفرة على المقاتلين العائدين وترصدهم وتسليمهم إلى بلدانهم الأصلية.

وذك ر في هذا الصدد بأن المغرب ساهم في إحباط عدة مخططات إرهابية بالخارج من خلال التنسيق والتعاون المشترك وتبادل المعلومات والخبرات، مسجلا أن المملكة ظلت حريصة على تعزيز التعاون في إطار سياسة التعاون جنوب-جنوب مع باقي الدول الإفريقية التي تعتبرها امتدادا لمجالها الحيوي والأمني والاقتصادي.

من جهته، دعا رئيس اللجنة الوطنية لمحاربة الإرهاب بتونس، منير كسيكسي، إلى “اعتماد مقاربة شاملة في مكافحة الإرهاب لا تقتصر على البعدين الإثني والعسكري، بل تشمل جميع الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والتربوية، وإشراك جميع الهياكل والفاعلين، وكذا تعزيز التنسيق الإعلامي بين الدول على المستوى الأفقي ربحا للوقت وضمانا لسرعة ردة الفعل في مواجهة التهديدات الإرهابية”.

وعلى مستوى استعمال الفضاء الافتراضي، دعا السيد كسيكسي إلى وضع خطة شاملة تحت إشراف الأمم المتحدة لمحاصرة المواقع الإلكترونية المشبوهة ذات المحتوى الإرهابي ومنع انتشارها بين أوساط الشباب، وذلك على غرار الخطة الأممية المتعلقة بمنع تمويل الإرهاب.

كما طالب المسؤول التونسي بتغيير أسلوب مواجهة الجريمة الإرهابية وتنظيماتها المتعددة من الأسلوب العسكري التقليدي إلى الاعتماد على عمل الفرق المختصة في مجال الاستعلام، مشيرا إلى أن هذه المقاربة التي تمت تجربتها في تونس أعطت نتائج “إيجابية للغاية”.

من جانبه، أكد الخبير الرئيسي بوكالة الاتحاد الأوروبي للتدريب على إنفاذ القانون، السيد ووت إس، أن المغرب شريك أساسي في مواجهة التهديدات الإرهابية والتطرف العنيف، مشيرا إلى أن المملكة مثال يحتذى به في المقاربة القضائية التي تفضي إلى تقديم الإرهابيين أمام العدالة وتجفيف منابع خطاب التطرف والراديكالية.

ودعا السيد إس إلى نسخ تجربة برنامج (إيراسموس) الثقافي لتبادل الخبرات والمعطيات والمعلومات في مجال مكافحة الجريمة الإرهابية على المستوى الدولي، موضحا أنها ستكون بمثابة شبكة جيدة وقناة ناجعة لتبادل الخبراء المتخصصين في مكافحة التطرف العنيف وتعزيز الجهود الدولية لتحصين المجتمعات من مخاطر الإرهاب.

بدوره، أكد مدير الاستراتيجية والبحث في مجموعة “سوفان” بالولايات المتحدة، السيد كولين كلارك، على ضرورة التعاون الدولي والاستفادة من خبرات مختلف الشركاء الدوليين في ما يتعلق بتبادل المعلومات الرامية إلى الحد من انتشار الخلايا الإرهابية، محذرا من مغبة صعود اليمين المتطرف في الولايات المتحدة وعدد من البلدان الأخرى في العالم وما قد ينتج عنه من تنام للعنف ولخطاب الكراهية.

أما الجنرال المتقاعد والباحث بالمعهد البرتغالي للعلاقات الدولية بالبرتغال، السيد كارلوس برانكو، فقد حذر من تدهور الأوضاع الأمنية في الساحل في السنوات الأخيرة بسبب تفريخ الجماعات المتطرفة جراء تفشي آفة الفساد والإفلات من العقاب في بعض البلدان، وهو ما تستغله الخلايا الإرهابية لتعزيز حضورها وتفعيل مخططاتها الإجرامية في هذه المنطقة.

ولمنع تفشي هذه الظاهرة، دعا السيد برانكو إلى التنسيق بين مختلف الدول من أجل بلورة استجابة عالمية عبر تعزيز التعاون الدولي والإقليمي وفق مقاربة كونية شاملة تفضي إلى اجتثاث منابع التطرف والإرهاب.

ويتميز هذا المؤتمر بمشاركة خبراء وممارسين متدخلين في قضايا الإرهاب والتطرف العنيف من مختلف القارات والدول (المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، موريتانيا، السنغال، نيجيريا، كينيا، إسبانيا، فرنسا، بريطانيا، إيطاليا، بلجيكا، سويسرا، هنغاريا، الولايات المتحدة الأمريكية، النمسا، البرتغال، النرويج، رومانيا، مالطا، مصر، المملكة العربية السعودية، الفلبين)، ومؤسسات إقليمية ودولية في مقدمتها المديرية التنفيذية لمكافحة الإرهاب للأمم المتحدة.

وتجري أشغال المؤتمر، بالنظر لحالة الطوارئ الصحية السارية حاليا، في شكل مزدوج بحضور متدخلين ومشاركين في الرباط، مع توفير الشروط الوقائية لسلامة المشاركات والمشاركين، ومداخلات ومشاركات عن بعد عبر تقنية الفيديو.

ح/م/الصورة: من الارشيف “ميدي 1 تي في”

التعليقات مغلقة.