مطاردة الساحرات..بين أنقرة وباريس !! | حدث كم

مطاردة الساحرات..بين أنقرة وباريس !!

0
03/04/2025

د. خالد فتحي: لاحظوا معي هذا التناقض الغريب في الأحداث السياسية بين تركيا وفرنسا، فقد زُجَّ في كلا البلدين بمرشحي المعارضة المحتمل فوزهما خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة في أتون ملاحقات قضائية: ماري لوبين، وأكرم إمام أوغلو.

ملاحقات  لن تعصف بحريتهما وتفضُّ الأنصار من حولهما فقط، وإنما ستطيح بآمالهما في خوض غمار المنافسة والصعود إلى كرسي الحكم. فهل هو صدفة هذا التزامن؟ أم أن هناك نموذجًا إدراكيًا يمكن تطبيقه  فنستطيع  أن نفسر  به لماذا تتفق كل من باريس وأنقرة الآن، والآن بالتحديد، على مطاردة الساحرات، وبنفس الأسلوب والإخراج تقريبًا، غير آبهتين بانعكاس ذلك على صورتهما في الداخل والخارج؟

لفهم وسبر أغوار ما يجري في الردهات المظلمة للسياسيين ، يجب في هذه اللحظة المفصلية من التاريخ، أن نضع هذه الوقائع في إطار ما يعتعل على  الركح الدولي منذ مجيء ترامب إلى السلطة. فننتبه بالخصوص إلى هذا التيار الجارف الذي يدفع في كل مكان بالعالم باتجاه تبني الدول لأنظمة صلبة وقوية تنأى بها عن تلك الرخاوة المفرطة الحبلى بالمصائب والكوارث،  التي يرى الممسكون بتلابيب الحكم، أن الديمقراطية ستتسبب بها لهم ولشعوبهم.

هناك الآن ما يشبه الفوضى العالمية ( الخلاقة)، وهناك كذلك هذا الغبار الناجم عن دخان حرب أوكرانيا وروسيا الذي يمنع على الآخرين أن يروك، ويحاسبوك،  وأنت ترتب دسائسك السياسية، ثم ثالثا هذا المخاض العسير للنظام الدولي الجديد الذي يفتحنا على كل الاحتمالات حتى تلك التي توضب بالقوة والتحكم. فلا حجة صارت تعلو على حجة القوة، ولا جهة ستنصت لصرخات من يدهسهم قطار الأحداث الجارية.

ترامب أعلن منذ دخوله البيت الأبيض بالتلميح تارة ، وبالتصريحات الحمالة للأوجه تارة أخرى ، كأي داهية يختبر الرأي العام الأمريكي والدولي، أن من الممكن أن تكون له ولاية ثالثة، فهو في زعمه رئيس لم تتح له ولايتان متتابعتان، وقد يفرض تأويله الخاص على المحكمة الفيدرالية التي نصب أغلب أعضائها.

وعلى خطى ترامب هذا، ليس هناك أيضًا ما قد يمنع أردوغان من فعل نفس الشيء إذا غير الدستور، فهو يملك الجيش الانتخابي اللازم لتمرير ذلك، وأول خطوة في هذا المضمار كانت أن ينتهز “فساد” خصمه اللدود رئيس بلدية إسطنبول، ويقوم بتحييده.

 ماكرون،و بدوره، يحلم الآن بدور أوروبي بعد استنفاذ حصته من الولايات الرئاسية، وها هي الأقدار تسير في ركابه ،وتتيح له أن ينحي غريمته مارين لوبين من السباق… فبهذا الحكم الذي كان له وقع  الزلزال بفرنسا ، يكون قد ضرب عصفورين بحجر واحد: سيمنع اليمين المتطرف من حكم فرنسا، وسيكبح أيضًا جماح مناهضته للعولمة، ولمشروع استكمال البناء الأوروبي حتى المرحلة القصوى. وبذلك يكون قد قدمها قربانًا يتمسح به للأوروبيين في سبيل حلمه الوحدوي الذي صار أيضًا حلمه الشخصي. بتنحية لوبين، يصفو له المجال أيضًا لقرع طبول الحرب على هواه ضد روسيا، وهذا قد يمكنه  مثل صفيه زيلينسكي أن يمدد ولايته إلى ما شاء  له الله ،وإلى ما طالت الحرب بعد 2027.

صحيح أن لوبين وأكرم أوغلو لهما منطلقات إيديولوجية وبروفيلات مختلفة، لكنهُما يتفقان في قوة الزخم الشعبي، ويتضاهيان في الجاذبية الانتخابية الكاسحة، ويواجهان معًا في بلديهما نخَبًا سياسية يقدران أنها عمرت طويلًا.

وصحيح في المقابل أن سياق ماكرون وأردوغان مختلفان جدًا: وأهم اختلاف بينهما ،هو أن ماكرون يريد أن يمنع عدوى ترامب من الوصول إلى باريس، بينما يسعى أردوغان كي يتأسى بترامب هذا. لكن  النتجية واحدة .فكلاهما يود الاستفادة من الوضع الجديد الذي خلقته الترامبية عالميًا، إذ ما الذي يمنعهما من أن يتشبها بترامب، وبوتين، وبإمبراطور الصين شي جين بينغ؟ .

فهؤلاء الحكام الثلاثة الأوائل في العالم  يبرهنون كل يوم أن الأنظمة الممركزة هي التي تتحرك بكل لياقة وحيوية وفاعلية  في مواجهة الأزمات الدولية، ولذلك هما يستحضران في حروبهما الداخلية أن لا أحد سيرثي لحال لوبين أو لحال أكرم أوغلو، فالكل غارق في الشعبوية، والكل ينشد السلطوية، وإن تلفعت بجلد الديمقراطية.

قد يكون أوغلو ولوبين مذنبين، فلا دخان بدون نار.  هذا ما سيؤكده القضاء أو ينفيه، ولكن المؤكد حاليًا، أن ذنبهما ،على الأقل من الناحية السياسية، هو أنهما سيئا الحظ ،وأنهما يدبران طموحاتهما في توقيت غير ملائم لهما… أي زمن  أصبح الضرب فيه تحت الحزام من أخلاق الديمقراطية الفضلى … وقت أصبحت فيه كل الأسلحة مشروعة.

 فلا صليل يسمع الآن إلا صليل القوة سواء في أوكرانيا، و غزة، و في الداخل التركي و حتى في داخل فرنسا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.