مساهمة منها في مقاربة في تنظيم المغرب بمعية اسبانيا والبرتغال لنهائيات كأس العالم لكرة القدم سنة 2030، يلاحظ أن بعض المؤسسات الرسمية، والهيئات المدنية، أطلقت مبادرات، تتناول فيها بعض القضايا التي لا تأخذ الانشغال الذي تسحقه في مرحلة التحضير ، لاحتضان المونديال، وذلك مقارنة مع مع ما تخصصه من اهتمام للبنيات التحتية التي تتطلب توفيرها لمثل هكذا تظاهرات رياضية كبرى.
وفي هذا المنحى، تدخل مبادرة معهد بروميثيوس للديمقراطية وحقوق الانسان والمجلس المدني لمناهضة جميع أشكال التمييز، الخاصة بإعداد تقرير تم فيه رصد مختلف مظاهر التمييز التي واكبت نهائيات كأس افريقيا للأمم التي استضافها المغرب ما بين 21 دجنبر 2025 و18 يناير 2026 عبر توثيق وتحليل والتنبيه كذلك إلى هذه المظاهر، التي تم تسجيلها قبل واثناء وبعد هذه البطولة القارية، فضلا عن رصد خطابات الكراهية والانحرافات التي واكبت هذا الحدث الرياضي لإفريقي. ومن بين ما جاء في خلاصات هذا التقرير الذي يستند إلى عملية رصد مستقلة، أن هذه المبادرة المدنية المستقلة، لا تكتفي بعملية رصد ما جرى في (الكان )، بل تشكل أيضا ” خارطة طريق حقوقية” لمونديال 2030.
واعتمد التقرير كذلك على مقاربة قائمة على حقوق الإنسان ومنظورا تقاطعيا يرى تداخل اشكال التمييز على أساس النوع الاجتماعي، الأصل، الإعاقة، والوضع الاجتماعي، بما يتيح فهما معمقا ًللديناميات التمييزية التي قد تتفاقم في سياق التظاهرات الرياضية الكبرى.
بروفة للمونديال
بيد انه يمكن اعتبار الحدث الرياضي الافريقي لسنة 2025 بالمغرب، بروفة مهمة، يمكن الاستئناس بها خلال احتضان مونديال فيفا المغرب واسبانيا والبرتغال، وذلك عبر استثمار دروسها بجدية وموضوعية، في برامج محاربة الكراهية والعنصرية والتمييز بسبب الجنس والعرق واللون والدين، وهو ما توقف التقرير عند جوانب منها، ما رصده من “ظواهر مفصلية تستدعى معالجة مؤسساتية عاجلة ، من أبرزها، خطاب الكراهية الرقمي بتزايد المحتويات التمييزية وتوظيف الذكاء الاصطناعي في انتاج “معلومات زائفة” وتضخيم السرديات الوصمية، والتمييز الذي استهدف النساء خلال فترة بطولة كأس الأمم الافريقية.
وبخصوص ما وصفه واضعو التقرير ب”التنميط العرقي والهوياتي”، فإنه تم رصد خطابات ” التجريد من الإنسانية” والوصم التي استهدفت بعض الفئات والمجتمعات في الفضائيين الإعلامي والرياضي، في حين شدد في مجال “العدالة الولوجية” في معرض تقييمه لمدى استجابة البنيات التحتية والمنشئات الرياضية لمتطلبات الولوج الشامل، على ضرورة ضمان تمكين الأشخاص في وضعية إعاقة من حقهم في الحضور والمشاركة على قدم المساواة مع باقي الفئات.
ممارسات فضلى
فالتقرير لم يكتفى بعملية التشخيص، بل قدم ” ممارسات فضلى” تم رصدها باعتبارها ” مبادرات إيجابية ” أطلقتها مؤسسات عمومية وفاعلون وطنيون، كتوظيف المديرية العامة لإدارة السجون واعادة الإدماج، الرياضة كأداة للإدماج الاجتماعي داخل المؤسسات السجنية؛ وتدخلات المديرية العامة للأمن الوطني المؤسساتية الفعالة والسريعة للحد من انتشار الأخبار الزائفة والتصدي للتضليل المعلوماتي؛ وكذلك مبادرات المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان، تأهيل الإعلامين وتعزيز صحافة رياضية قائمة على مبادئ حقوق الإنسان؛ فضلا عن تطوير الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، لآليات مبتكرة لتمكين الأشخاص في وضعية اعاقة، خاصة المكفوفين وضعاف البصر، من الولوج الملاعب ومتابعة المباريات.
في هذا التقرير الذي يدخل في اطار مواكبة الديناميات الاجتماعية والحقوقية المرتبطة بالتظاهرات الرياضية الكبرى، يطرح أصحابه، ” توصيات استراتيجية” موجهة لصناع القرار والفاعلين الرياضيين، تهدف إلى جعل كأس العالم 2030، ” تظاهرة دامجة وخالية من التمييز تكرس صورة المغرب كأرض للقاء والحوار الحضاري” .
يقظة أساسية
وتتجلى أبرز النتائج التي تمخضت عنها عملية الرصد، كشف التقرير مجموعة من الممارسات والخطابات التي تمس بمبادئ الكرامة والمساواة وعدم التمييز، تم تحديدها في عدة نقاط ” اليقظة الأساسية”، منها ” خطابات جندرية تنطوي على تمييز قائم على أساس النوع الاجتماعي، وقصور في الولوجية الشاملة للبنيات التحتية، بما يحد من تمتع الأشخاص في وضعية إعاقة بحقوقهم على قدم المساواة، علاوة على انتشار محتويات باستعمال الذكاء الاصطناعي، تعزز الصور النمطية الجندرية وتمس بكرامة النساء.
كما رصد التقرير بروز خطابات تمييزية في التغطية الإعلامية الرياضية، تمس بمبادئ عدم التمييز وتوظيف لغة ذات حمولة تمييزية وصور نمطية من قبل بعض المؤثرين، وممارسات نمطية وتمييزية ضد النساء المشجعات في سياق الولوج إلى التذاكر، وصدور عبارات مهينة في حق الرياضيين، بما يتعارض مع أخلاقيات الاعلام واحترام الكرامة الإنسانية مع تصاعد خطابات الكراهية والتمييز العرقي خلال وبعد المنافسات مع الكشف عن مخاطر تهدد الأمن والكرامة الإنسانية نتيجة النشر الرقمي للاتهامات، وبروز خطابات مناهضة للزواج المختلط، تنطوي على انتهاكات لحقوق النساء وحرياتهن الفردية.
تضليل معلوماتي
وفضلا عن انتشار خطابات الكراهية داخل الفضاء التعليمي، بما يمس بمبادئ التربية على حقوق الانسان وقيم التسامح؛ وانتشار التضليل المعلوماتي، تم رصد تداول إشاعات ذات طابع عنصري، بما يساهم في تغذية الصور النمطية والتمييز، مع تسجيل وصم مرتبط بالجنسية المزدوجة والانتماء الرياضي، بما يمس بالحق في الهوية والاختيار؛ علاوة على تسجيل اعمال عنف بعد المباريات، تعكس الامتداد العابر للحدود لمخاطر التمييز وخطابات الكراهية.
في أفق كأس العالم 2030، دعا التقرير إلى العمل على إدماج حقوق الإنسان كمكون أساسي في حكامة التظاهرات الرياضية، وتعزيز آليات الوقاية والرصد والاستجابة لخطابات الكراهية؛ ضمان الولوجية الشاملة كمعيار بنيوي في البنيات التحتية والخدمات وتأهيل الفاعلين الإعلاميين والتربويين لنشر ثقافة حقوق الإنسان قائمة على المساواة، واشراك المجتمع المدني والخبراء في جميع مراحل التخطيط والتنفيذ والتقييم.
لحظة ثقافية
ومن جهة أخرى فإن المونديال لن يكون حدثا رياضيا فقط، بل كذلك لحظة ثقافية بامتياز، تستدعى من مدبري الشأن الرياضي العمل على تثمين الجوانب الحضارية والثقافية والفكرية للبلاد وتقديمها بحرفية ومهنية الى العالم، مع الأخذ على المستوى الإعلامي بعين الاعتبار التحديات التي تفرضها البيئة الرقمية على الممارسة الصحافية، وتأثير التكنولوجيا الحديثة وتحديات الذكاء الاصطناعي، ودورهما في تشكيل الرأي العام والتأثير على توجهاته، خاصة في ظل ما تشهده المجتمعات من تحولات عميقة على كافة الأصعدة.
لكن تظل في هذا السياق، عدة أسئلة مطروحة من بينها مدى تكيف وسائل الإعلام ومن ضمنها الصحافة الرياضية، مع هذه المتغيرات، وفي مقدمتها، القدرة على مواجهة تحديات الرقمنة، وهو ما يستدعى اعتماد رؤية متجددة ومغايرة في التعامل مع ورش الصحافة والإعلام قبل انطلاق المونديال 2030.

