في كل موسم من مواسم عيد الأضحى، وخاصة خلال السنوات الأخيرة، يعود الجدل الاجتماعي والاقتصادي بقوة إلى الواجهة، ويطرح معه سؤالا عريضا يؤرق فئات واسعة من المغاربة: “من حول هذه المناسبة الدينية والروحية إلى فرصة للربح غير الأخلاقي والمضاربة على حساب البسطاء؟!”، وكيف أصبح الاحتفال بالعيد، الذي كان إلى وقت قريب مناسبة للفرح والتكافل والتراحم، عبئا ثقيلا يرهق الأسر ويعمق الإحساس بالعجز الاجتماعي؟!
حيث ان ما يكتوي به المواطن اليوم لم يعد مجرد ارتفاع موسمي عابر في أسعار الأضاحي، بل تحول إلى أزمة حقيقية تكشف هشاشة القدرة الشرائية واتساع الهوة بين الخطاب الرسمي وواقع الأسواق، وما فاه به الوزير المعني بالفلاحة، على الهواء مباشرة من تحت قبة “نواب الامة” ، عن إمكانية اقتناء أضحية ابتداء من 1000 درهم، يشعر المواطن داخل الأسواق بأثمان تبدأ في كثير من الأحيان من 3000 درهم وقد تتجاوز ذلك بكثير، ويستشف يان هناك محاولة لتخفيف وقع الأزمة إعلاميا أكثر من تقديم صورة حقيقية عن واقع السوق، الذي يتحكم فيه “الفراقشية” الكبار!.
وهذا التباعد بين الأرقام المعلنة والواقع المعاش، يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول فعالية السياسات العمومية وآليات مراقبة الأسواق “الخفية”، رغم المجهودات التي تبذلها السلطات لمحاصرة المضاربين و”الشناقة”. غير أن شبكات “التفرقيش” أصبحت تمتلك، بحسب كثير من المتابعين، وسائل متعددة للتحكم في السوق والحفاظ على ارتفاع اسعار اللحوم طوال السنة، بما يضمن استمرار هامش “جشع الربح الغير اخلاقي” ، ليستقر ثمن الكلغ الواحد في 130 درهما .
وفي ظل هذا الوضع، تحول “الفراقشية” في المخيال الشعبي إلى رمز لغضب اجتماعي أوسع، باعتبارهم واجهة لمنظومة وساطة غير منتجة تستفيد من حاجة المواطن ومن اختلالات السوق رغم دعم الدولة لمربي الماشية..!. فالمشكل لم يعد مرتبطا فقط ببائع أو وسيط، بل ببنية كاملة تسمح بتضخم الأرباح بين المنتج الحقيقي والمستهلك النهائي، في غياب شفافية كافية تضمن توازنا عادلا للأسعار وتحمي القدرة الشرائية للمواطنين.
والأخطر من ذلك، أن هذا الارتفاع المتكرر في أسعار الأضاحي قد يتحول تدريجيا إلى آلية غير معلنة لتطبيع المجتمع مع غلاء اللحوم الحمراء على مدار السنة كما حصل في سوق المحروقات.. ! ، فحين يعتاد المواطن على اسعار صادمة في المناسبة او غيرها ، تصبح بعد ذلك وكأنها أمر طبيعي ومفروض بحكم الواقع، وهنا يبرز ايضا التخوف من أن تتحول مناسبة دينية ذات أبعاد إنسانية وروحية إلى فرصة لتثبيت مستويات سعرية جديدة، يكون المستفيد الأكبر منها شبكات المضاربة والاحتكار، بينما يتحمل المواطن البسيط الكلفة الاجتماعية والاقتصادية لهذا الوضع.
لكن الأزمة لا تتوقف عند حدود السوق فقط، بل تمتد إلى المجال السياسي والإعلامي، خاصة مع بروز ما بات يعرف بملف “جبروت”، بما يحمله من مؤشرات على تصاعد استعمال “التسريبات” والمعارك الرقمية والإعلامية، في ظرفية سياسية حساسة تسبق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
فحين يتم نشر “غسيل” بعض الأطراف ، والتشهير بأسماء معينة، مقابل الصمت أو التغاضي عن أطراف أخرى، يصبح السؤال مشروعا حول الحدود الفاصلة بين كشف الحقيقة وتصفية الحسابات، ليتساءل المتتبع: “هل نحن أمام ممارسة رقابية مشروعة تهدف إلى فضح الفساد والاختلالات؟ أم أمام انتقائية موجهة تستهدف خصوما بعينهم وتحمي في المقابل أطرافا أخرى مرتبطة بموازين النفوذ والمصالح؟”
وخطورة هذه الملفات، لا تكمن فقط في مضمونها، بل أيضا في توقيتها وسياقها وطريقة توظيفها، وخاصة مع اقتراب الانتخابات، ليتحول كل “تسريب” وكل “حملة إعلامية” إلى جزء من معركة كبرى!، لمحاولة اعادة ترتيب المواقع وبناء توازنات جديدة داخل المشهد السياسي، وفي مثل هذه الأجواء، تختلط أحيانا الحقيقة بالإشاعة، والمحاسبة بالتشهير، والنقد المشروع بالابتزاز السياسي أو الإعلامي، وهو ما ينعكس سلبا على ثقة المواطن في المؤسسات وفي الحياة السياسية بشكل عام.
إن تزامن الغلاء المعيشي مع معارك “جبروت” وغيرها من الملفات المشابهة، يكشف عن أزمة أعمق في تدبير المجال العام، فمن جهة، هناك مواطن يواجه ضغوطا اقتصادية خانقة ويشعر بأنه متروك أمام جشع السوق، ومن جهة أخرى، هناك مشهد سياسي وإعلامي، يبدو أحيانا غارقا في صراعات النفوذ وإعادة التموضع والاستعداد المبكر للانتخابات، وبين هذا وذاك، يتعزز الإحساس الشعبي بأن الفقراء هم دائما من يدفعون ثمن الأزمات، بينما ينجح الأقوياء في إعادة إنتاج مواقعهم ومصالحهم بأشكال مختلفة.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي اليوم لا يتعلق فقط بمن تسبب في رفع الأسعار أو من يتحكم في السوق؟، بل أيضا بمن يستفيد من استمرار الغضب الشعبي دون حلول حقيقية، ومن يوظف هذا الاحتقان لخدمة أجندات سياسية وانتخابية ضيقة، وهذا يتسبب في اشعال نار الفتنة في مثل هذه الظروف، وقد تكون له تداعيات خطيرة، فالنار التي تبدأ من الأسواق قد تمتد إلى السياسة، والنار التي تبدأ من التسريبات قد تصل إلى المؤسسات، وحين تهتز الثقة يصبح ترميمها أكثر صعوبة وكلفة من أي أزمة ظرفية، لا قدر الله.
فالمغاربة لا يحتاجون إلى مزيد من الصراعات فوق آلامهم اليومية، ولا إلى استثمار انتخابي في الغلاء والغضب، بقدر ما يحتاجون إلى الثقة والوضوح والعدالة الاجتماعية، لأن الاستمرار في “اللعب بالنار”، سواء داخل الأسواق أو عبر المعارك السياسية والإعلامية، قد يفتح الباب أمام احتقان لا يخدم أحدا.
ح/ح


