كأس العالم… ترامب يدخل غرفة الفار.. !!

د. خالد فتحي : في السياسة و في مجلس الامن تحديدا ، يسمونه “الفيتو”. وفي كرة القدم، كنا نسميه  لحدود مباراة الولايات المتحدةالامريكية-  كرواتيا “صافرة الحكم”. لكن يبدو أن العالم يتغير بسرعة مذهلة ، ويغير معه كرة القدم بدورها . حتى أصبح الهاتف القادم من البيت الأبيض قادرا على أن يخرس  صفارة الحكم و يبطل  البطاقتين  الصفراء والحمراء معا ،و ينقض حتى حكم غرفة الفار ، وبالتالي صار قادرا على ان  يثير أسئلة لم نكن نتخيل يوما أنها ستطرح داخل ملاعب كرة القدم.

 لم تكن القضية مجرد بطاقة حمراء أشهرها حكم في وجه لاعب أمريكي. ولم تكن مجرد عقوبة أعيد النظر في تنفيذها خلال كأس العالم. لقد كانت لحظة شعر فيها كثيرون بأن النظام العالمي الجديد قد طرق باب كرة القدم.

لم يخف دونالد ترامب موقفه. رأى أن القرار يستحق المراجعة، ولربما رأى طرد غالغون اهانة لامريكا سيدة العالم ،  فطلب من رئيس الفيفا إعادة النظر فيه.

وفي عالم تحكمه  القوة يكون  طلب أقوى رجل في العالم أقرب إلى أمر يصعب تجاهله.

 ولذلك، ولأنه ترامب “مالئ الدنيا وشاغل الأمم”، لم يكن للفيفا  بد إلا أن تجتهد . اسعفتها  آلية قانونية كانت مركونة على الدوام في لوائحها لتعليق تنفيذ العقوبة و استجابت لرغبة الرئيس الامريكي .

وهكذا انطلقت موجة الجدل تلك  التي  تجاوزت اللاعب نفسه والواقعة نفسها ، لتصل إلى سؤال أكبر: هل أصبحت موازين القوة محددة للمشهد الرياضي كما هي محددة  للمشهد الجيوسياسي  ؟. هنا تبدأ الحكاية… وهنا يطل الشيطان بقرنه ليزرع الشكوك حول مصداقية لعبة ظلت ماوسعها ذلك بمنأى عن الاعتبارات السياسية .

فهل ياترى  كان ترامب أول من انتبه إلى هذه الإمكانية القانونية؟ أم أن غيره كان يعرفها، لكنه لم ير يوما  فائدة في سلوك هذا الطريق، ليس لنقص في الذكاء ولكن لغياب فائض  في القوة؟ .

و هنا قد يذهب الخيال بالبعض إلى التساؤل: إذا كان القانون يخفي منافذ لا ينتبه إليها كثيرون، فهل يحاول ترامب مستقبلا البحث عن منافذ أخرى في ميادين مختلفة؟ ألى  تنذر هذه الواقعة أمريكيا ، بأن ترامب قادر على سبيل المثال  غدا ان يستغل ثغرة قانونية  اخرى ،ويظفر بولاية رئاسية ثالثة، ولربما برآسة مدى الحياة ؟  مع ترامب يبدو أن الخيال سيجد دائما ما يغذيه.

 يصعب الجزم في  كل هذه الافتراضات . لكن ما لا يختلف عليه اثنان هو أن ترامب لا يخفي إيمانه بالنفوذ. إنه يرى أن القوة، متى كانت مشروعة قانونا، ينبغي أن تمارس وتستثمر.

فاذا كانت امريكا في فهمه، وفق  تصرفه في هذه النازلة، تملك حق الفيتو بمجلس الامن ،فلم لا تستعمل مثله في وجه حكم لا حول له ولاقوة؟؟ .قد يختلف الناس مع هذه الفلسفة الترامبية،  إن صحت تمسيتها كذلك،  أو يتفقون معها، لكنها تبقى  جزءا من شخصيته السياسية التي لا يحرص على إخفائها.بل يجاهر بها ويعلنها على رؤوس الأشهاد .

  جياني إنفانتينو ليس رجلا قليل الخبرة. إنه  ثعلب مراوغ كما ينعت …رجل  يعرف جيدا  أين توجد مراكز  القوة، ويتقن  الطريقة الناجعة للتحرك في عالم لم تعد فيه كرة القدم مجرد لعبة، بل أصبحت صناعة عالمية بمئات المليارات. فهل كنتم تنتظرون من داهية بهذه المواصفات  أن يشرب  وحده حليب السباع و يتحدى طلبا لترامب فيغامر بان يفسد على نفسه هذا العرس العالمي ؟ أليس هذا هو منطق العالم اليوم تجاه امريكا الحالية ؟ ألم نر قادة دول كبرى، رغم ما شاب علاقاتهم مع دونالد ترامب من توتر وخلافات، يواصلون إدارة العلاقة معه بمنطق المصالح قبل الشعارات؟ ألم يحافظ إيمانويل ماكرون، رغم ما شهدته علاقته بترامب من تباينات وسجالات وسخرية لاذعة  أحيانا، على قنوات الحوار المفتوحة معه ؟ وألم يجد فولوديمير زيلينسكي نفسه، في أكثر من محطة، مضطرا إلى التكيف مع المطبات التي نصبها له ترامب امام كل كاميرات العالم ؟ فإذا كان رؤساء دول يديرون خلافاتهم  معه بمنطق الواقعية السياسية، فلماذا نستغرب أن يتصرف رئيس الفيفا بالمنطق نفسه؟ إنها ليست مسألة شجاعة أو جبن… وليست مسألة كرامة أو خضوع. ولاحتى مسألة قيم .. إنها، في النهاية، مسألة موازين قوى. الرجل العاقل لا يلقي بأيديه  إلى التهلكة -يقول انفانتينو في قرارة  نفسه- . انه يدرك أن كأس العالم، وهي تقام على الأرض الأمريكية،  ليست مجرد بطولة لكرة القدم، بل حدث عالمي تتقاطع فيه  بوضوح السياسة والاقتصاد والإعلام والأمن. ولهذا، فإن القضية ليست قضية إنفانتينو وحده… وليست قضية ترامب وحده… بل قضية عالم صار مختلفا في كل شيء بما في ذلك منافسات كأس العالم .

 عندما احتج الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، وارتفعت الأصوات المنتقدة للقرار، بدا المشهد وكأنه يتجاوز مجرد خلاف حول بطاقة حمراء، ليصبح نقاشا حول حدود استقلالية المؤسسات،  نقاشا اراد ان يكون كلمة حق في وجه ترامب  .لكن هناك من يرى ان  ترامب تدخل لاجل تصحيح خطأ جسيم، وبالتالي فهو لم يفعل شيئا آخر اكثر من انه  تماهى مع غالبية الأمريكيين الذين يعتبرون ان للاعب الامريكي فولارين بالجون  ظلم بنيله البطاقة الحمراء . وبهذا المعنى يكون ترامب قد ضرب عصافير كثيرة بهذا الاتصال المثير .حقق شعبية في صفوف  محبي  كرة القدم ،وابقى حظوظ بلاده في الفوز بالكأس،وظهر مدافع عن الحق بالقوة !! .ثم ما الذي يضير بلجيكا من هذا القرار .أليس  المفروض، وهي المصنفة ثانية  في العالم ان تقابل الفريق الامريكي بكامل نجومه ؟ هذا هو العدل!

لقد خرجت كندا من المونديال على اقدام المنتخب المغربي … وخرجت المكسيك مدحورة امام انجلترا … وبقيت الولايات المتحدة وحدها  تواصل مشوارها في هذا المضمار .

هل يقبل ترامب ان تخرج كل الدول المضيفة بخفي حنين؟  .هل يقبل ان  تلقى امريكا نفس مصير منتخبي هذين البلدين اللذين لايستلطفهما ولايحبهما؟ . ماذا يتبقى له  اذن من شعاره لنجعل امريكا عظيمة مرة اخرى اذا عادت او ظفرت  هي نفسها  بخفي حنين ؟.

لقد  تدخل اذن  لأن   “الولايات المتحدة في منطقه  تستحق مسارا افضل” . تدخل  لكي تستر بلاده على قيد  المنافسة، و لم لا لكي تحصل على الكأس .

ستكون  في هذه الحالة اول كأس تتحصل عليها منذ تأسيسها والأهم انها تتحصل عليها في عهده هو ؛ عهد دونالد ترامب “البهي” .ألن يجسد ذلك عودة لأمريكا بكامل عنفوانها وقوتها!!؟

 في الأخير قد يكون ترامب سعى فقط لاثارة الجدل كعادته،  و قد  يكون  قبول إنفانتينو لطلبه  قد باغته هو الآخر من حيث لم ينتظر  .

و لربما قد كان  من وجهة  نظر اخرى  جادا من خلال هذا الطلب  في طلب الكأس، فالغاية عنده  تبرر الوسيلة . لكن ماهو مؤكد هو ان الجدل الذي رافق هذه القضية سيجعل الكثيرين ينظرون إلى البطولة العالمية من الآن فصاعدا   بعين السياسة ، لا بعين الكرة.

مونديال امريكا  لن يعود  مجرد بطولة كما الفناها … سيصير  صورة مصغرة لعالم اليوم. عالم يتحدث كثيرا عن استقلال المؤسسات، لكنه لا يستطيع أن يتجاهل موازين القوة عندما تحضر.

الم ير فيه كثيرون أن هيبة مؤسسات دولية كبرى قد تراجعت،… الامم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية،وغيرهما ، فلماذا يستغربون إذا امتد الجدل أو تسرب البلل إلى الفيفا؟

 ولذلك، لم يعد السؤال من سيتوج بكأس العالم. السؤال أصبح: هل تستطيع كرة القدم أن تبقى بمنأى عن عالم لم تعد فيه السياسة تقف عند  الحدود التي كانت تعرفها بالأمس؟ ربما كانت هذه الواقعة استثناء لن يتكرر مرة اخرى . وربما تكون مؤشرا إلى مرحلة جديدة. لكن ما أنا متيقن منه هو  أن العلاقة بين السياسة وكرة القدم أصبحت أوثق مما كانت عليه. لقد دخلت السياسة إلى غرفة الفار… ويبقى السؤال: هل ستغادرها يوما؟

ملاحظة : أنهيت المقال الان،فاذا ببلجيكا  قد خسرت احتجاجها، و بغالغون لاعبا اساسيا ،وبالفريق الامريكي   منهزما بحصة ثقيلة. . . بذل ترامب مافي وسعه  . ومع ذلك خرج البلد المتظم الثالث خاوي الوفاض .

ربما لم تكن موافقة الفيفا تعد كونها   مجاملة  لبلد مضيف لم تسؤ احدا في النهاية!!.بل قرارا ذكيا منع به إنفانتينو ترامب من ادعاء التآمر على بلاده…ربما …

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.