طريق ترامب بين تيزنيت والداخلة.. تكريم سياسي ورسالة إلى خصوم الوحدة الترابية .. و للمتمسكين بـ”السراب”؟!
من يستغرب إعلان إطلاق اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الطريق السريع الرابط بين تيزنيت والداخلة، يبدو أنه ينسى أن تسمية الشوارع والساحات المغربية بأسماء قادة وشخصيات أجنبية ليست سابقة جديدة، ولم تولد مع زمن مواقع التواصل الاجتماعي. فمنذ عقود، تحمل شوارع وفضاءات عمومية بالمغرب أسماء رؤساء وقادة دوليين، من قبيل جون كينيدي وفرانكلين روزفلت وشارل دوغول وجمال عبد الناصر والملك فهد بن عبد العزيز، وفال ولد عمير، وغيرهم.
هذه التسميات لم تكن في يوم من الأيام تنازلاً عن السيادة أو خضوعاً لإرادة أجنبية، بل شكلت جزءاً من ثقافة الاعتراف وفن الدبلوماسية الرمزية، فالشارع أو الساحة أو الطريق لا يمثل مجرد فضاء للمرور، وإنما يمكن أن يتحول إلى حامل للذاكرة السياسية وأداة من أدوات القوة الناعمة للدولة، تعبر من خلاله عن صداقاتها وتحالفاتها وتقديرها للمواقف التاريخية.
ومن هذا المنظور، لا ينبغي اختزال إطلاق اسم دونالد ترامب على طريق تيزنيت ـ الداخلة، في كونه مجاملة عابرة أو نوعا من التملق السياسي، كما يحاول البعض تصويره، فالتسمية، إذا تم اعتمادها رسميا، تحمل دلالات سياسية ودبلوماسية واضحة، في مقدمتها تكريم رئيس أمريكي ارتبط اسمه بأحد أبرز التحولات التي عرفها ملف الصحراء المغربية خلال السنوات الأخيرة.
لقد شكل قرار الإدارة الأمريكية، في دجنبر 2020، الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه منعطفا مهما في مسار هذا النزاع الإقليمي، ولم يكن الأمر مجرد تصريح دبلوماسي عابر، بل موقفا رسميا أحدث تحولا في مواقف عدد من الدول، وأسهم في تعزيز الدينامية الدولية الداعمة للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الحل الجدي والواقعي للنزاع المفتعل.
وبذلك، يصبح إطلاق اسم ترامب على هذا الطريق تكريما رمزيا لموقف سياسي تاريخي اتخذه خلال ولايته الأولى، واستمر في الدفاع عنه خلال ولايته الثانية، بما يؤكد دعم الولايات المتحدة للوحدة الترابية للمملكة قولاً وفعلاً.
وتحمل التسمية، من جهة ثانية، رسالة ترسيخ للتحالف الاستراتيجي بين الرباط وواشنطن، فالدول لا تخلد أسماء القادة الأجانب في فضاءاتها العامة من دون دلالة، بل تستخدم هذا النوع من المبادرات لإبراز أهمية علاقاتها وشراكاتها الدولية، واقتران اسم رئيس أمريكي بطريق استراتيجي يمتد على أكثر من ألف كيلومتر يبعث بإشارة واضحة بشأن محورية العلاقة المغربية الأمريكية ومتانة التعاون بين البلدين.
وتزداد هذه الدلالة قوة بالنظر إلى موقع الطريق وطبيعته، فطريق تيزنيت ـ الداخلة، ليس مجرد منشأة للنقل، بل مشروع وطني يعزز ارتباط الأقاليم الجنوبية بباقي جهات المملكة، ويدعم تنميتها الاقتصادية والاجتماعية، ويفتح المغرب على عمقه الإفريقي، كما يشكل أحد المرتكزات اللوجستية للمبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي.
أما الرسالة الثالثة، فهي موجهة بلا شك إلى خصوم الوحدة الترابية، سواء في الداخل أو الخارج. فاختيار محور طرقي يعبر الصحراء المغربية ليحمل اسم الرئيس الذي اعترفت بلاده بسيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية، يحمل رمزية سياسية يصعب تجاهلها، لانها رسالة مفادها أن الاعتراف الأمريكي ليس موقفا ظرفيا قابلا للمحو، بل أصبح جزءا من الذاكرة السياسية والدبلوماسية المشتركة بين البلدين.
ومن الطبيعي أن يثير هذا الاختيار انزعاج الأطراف الداعمة للانفصال، لأنها تدرك أن المعركة حول الصحراء المغربية، لا تُدار فقط بالقرارات والبيانات الرسمية، وإنما أيضا بالرموز والمشاريع الاقتصادية والتحالفات الدولية. وحين يرتبط اسم رئيس القوة الدولية الأولى بطريق يمتد من تيزنيت إلى الداخلة، فإن الدلالة السياسية تصبح أقوى من أي خطاب.
قد يختلف البعض مع سياسات دونالد ترامب أو مواقفه في عدد من القضايا الدولية، وهذا حق مشروع. لكن تقييم هذه التسمية ينبغي أن ينطلق من المصالح العليا للمغرب ومن الموقف الذي اتخذه الرجل تجاه وحدته الترابية، لا من الخلافات الإيديولوجية المرتبطة بالشأن الأمريكي.
إن تسمية المنشآت الوطنية بأسماء قادة الدول الصديقة ليست بيعاً للسيادة ولا انتقاصاً من الرموز الوطنية، بل ممارسة دبلوماسية معروفة تستحضر المصالح والمواقف التاريخية. والمغرب، الذي راكم خبرة طويلة في إدارة علاقاته الدولية، يعرف جيداً متى يكرّم أصدقاءه، وكيف يحول حتى أسماء الشوارع والطرق إلى رسائل سياسية محسوبة.
لذلك، فإن الجدل الحقيقي لا ينبغي أن ينصب على اسم ترامب في حد ذاته، بل على ما يمثله هذا الاسم بالنسبة إلى قضية المغرب الأولى: اعتراف أمريكي صريح بالسيادة المغربية على الصحراء، وتحالف استراتيجي مع واشنطن، ورسالة واضحة إلى كل من لا يزال يراهن على “السراب”.
ح.ا