تكشف تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي بشأن جثامين المغاربة الذين قضوا خلال محاولات العبور إلى سبتة، ووضعية المهاجرين الأحياء، أن “الملف تجاوز المعالجة الإدارية لكل حالة على حدة، ليتحول إلى قضية إنسانية وقانونية ذات أبعاد سياسية ودبلوماسية”.
فتمسك المغرب بمبدأ “عودة الجميع” يعني، وفق موقف وزير العدل ، رفض معالجة الجثامين بصورة منفردة أو مجزأة، والدعوة إلى اتفاق شامل ينظم التعرف على الضحايا وتسليم رفاتهم، بالتوازي مع تسوية وضعية المغاربة الأحياء في سبتة، ولا سيما القاصرين. ويعكس ذلك رغبة الرباط في منع إغلاق الملف عبر إجراءات متفرقة قد تترك حالات أخرى معلقة، سواء تعلق الأمر بجثامين مجهولة الهوية أو بأشخاص لم تُحسم أوضاعهم القانونية والإنسانية.
ومن الناحية القانونية، تبدو مطالبة المغرب بالحصول على التقارير الطبية والمعطيات المتعلقة بهوية كل ضحية أمرا ضروريا. فتسليم الجثامين لا يمكن أن يتم بناءً على معلومات أولية أو غير مكتملة، لأن أي خطأ في تحديد الهوية قد يخلف تداعيات قضائية وإنسانية جسيمة، ويضاعف معاناة الأسر التي تنتظر أجوبة مؤكدة حول مصير أبنائها.
كما أن توحيد المساطر من شأنه ضمان احترام كرامة الضحايا وحقوق أسرهم، خصوصا في ما يتعلق بالتعرف العلمي على الجثامين، وإجراء الفحوص الضرورية، وتوثيق أسباب الوفاة وظروفها، وتسليم الوثائق الرسمية قبل نقل الرفات إلى المغرب ودفنها.
غير أن ربط ملف الجثامين بوضعية المهاجرين الأحياء يوسع دائرة النقاش. فالمغرب، وفق ما يستفاد من تصريحات وهبي، “لا يريد أن ينحصر التنسيق مع إسبانيا في الجانب الجنائزي، بينما يظل مصير الأحياء، وفي مقدمتهم القاصرون، غامضا أو خاضعا لتدبير أحادي الجانب”.
وتكتسي وضعية القاصرين حساسية مضاعفة، بالنظر إلى الضمانات القانونية التي تحيط بهم، وضرورة التحقق من هوياتهم وروابطهم الأسرية وتقييم مصلحتهم الفضلى قبل اتخاذ قرار بإعادتهم. فعودة القاصر لا ينبغي أن تكون مجرد إجراء حدودي، بل مسارا قانونيا واجتماعيا يضمن تسليمه إلى أسرته في ظروف آمنة ويحميه من التشرد أو الاستغلال أو الوقوع مجدداً في شبكات الهجرة غير النظامية.
وتوحي عبارة “عودة الجميع” أيضا بأن الرباط تسعى إلى نقل الملف من منطق التدبير الظرفي إلى منطق المسؤولية المشتركة. فإسبانيا مطالبة، بحسب هذا التصور، بتقديم معطيات دقيقة عن الضحايا والأحياء الموجودين في سبتة، بينما يتعين على المغرب التحقق من الهويات وتنظيم عمليات الاستقبال ومواكبة العائدين وأسر المتوفين.
لكن نجاح هذا المسار يظل رهينا بعدم تحويل الملف الإنساني إلى ورقة ضغط سياسي. فالعائلات التي تنتظر استعادة جثامين أبنائها ، لا ينبغي أن تدفع ثمن بطء المفاوضات أو الخلاف حول تفاصيل الاتفاق. ومن ثم، يصبح من الضروري التوفيق بين مطلب الاتفاق الشامل والحاجة المستعجلة إلى تسريع تسليم الجثامين التي جرى التعرف إليها بصورة نهائية، دون الإخلال بالضمانات القانونية والطبية.
وتطرح القضية كذلك أسئلة لا تقل أهمية عن إجراءات الإعادة، وفي مقدمتها ظروف الوفاة، وكيفية تدبير عمليات الإنقاذ، ومسؤولية الجهات التي روجت لدعوات العبور، ومدى احترام حقوق المهاجرين أثناء التعامل الأمني معهم. فإغلاق الملف لا ينبغي أن يقتصر على تحديد الأسماء ونقل الجثامين، بل يستوجب كشفاً دقيقاً للوقائع وتحديد المسؤوليات، بما يمنع تكرار المأساة.
وتحمل تصريحات وزير العدل رسالة مباشرة إلى مدريد مفادها أن الرباط لن تقبل حلولاً جزئية تركز على بعض الحالات وتترك أخرى معلقة. كما توجه رسالة إلى الرأي العام وأسر الضحايا بأن رفض تسلم جثمان معين، إن حصل، لا يعني التخلي عن الضحايا، وإنما يرتبط بالمطالبة بمسطرة موحدة وضمانات واضحة.
ومع ذلك، فإن قوة هذا الموقف ستقاس بسرعة تحويله إلى نتائج ملموسة. فالمطلوب اليوم هو تشكيل آلية مشتركة تضم السلطات القضائية والطبية والأمنية والقنصلية في البلدين، مع وضع لائحة دقيقة للمتوفين والمفقودين والقاصرين والأشخاص الراغبين في العودة، وتحديد جدول زمني واضح لمعالجة كل حالة.
إن مأساة سبتة لا تحتمل حربا في الروايات ولا إدارة بطيئة للملفات. فكرامة الموتى تقتضي استعادتهم وتسليمهم إلى أسرهم، وحقوق الأحياء تتطلب حماية قانونية وإنسانية، أما الحقيقة فتفرض تحقيقاً شفافاً يجيب عن أسئلة المسؤولية وظروف الوفاة. وبين هذه الالتزامات جميعاً، سيبقى الاتفاق الشامل ضرورياً، شرط ألا يتحول انتظاره إلى سبب جديد لإطالة معاناة العائلات.

