بين “التسجيل الصوتي” و “أرشيف المحاكم”.. هل يملك الطالبي العلمي شرعية تقديم الدروس في الأخلاق السياسية للرأي العام؟
أعاد تسجيل صوتي متداول، منسوب إلى راشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، اسمه إلى واجهة الجدل السياسي، بعدما تضمن حديثا حادا عن استمالة المنتخبين واستعمال “الترهيب والترغيب”، إلى جانب انتقاد ظاهرة الترحال الحزبي واستحضار خطابات جلالة الملك وقواعد المنافسة الديمقراطية.
غير أن أكثر ما أثار الانتباه في التسجيل لم يكن فقط الهجوم على تحركات فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، بل العبارة المنسوبة إلى الطالبي العلمي بشأن حقيبة الاقتصاد والمالية، حين قال: “قولوا له يقرب لوزارة المالية، والله لا شافها”، مؤكدا، بحسب التسجيل، أن نادية فتاح العلوي هي من ستواصل تولي الوزارة في حال قاد التجمع الوطني للأحرار الحكومة المقبلة، ويتعين من الناحية المهنية، التعامل مع هذا التسجيل باعتباره منسوباً إلى الطالبي العلمي، ما لم يصدر تأكيد رسمي بشأن صحته ومضمونه الكامل.
إلا أن وسائل إعلام وطنية تداولت مضمونه وربطته باجتماع المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار المنعقد الثلاثاء 25 غشت 2026، فيما لم يظهر، إلى حدود إعداد هذه المادة، توضيح علني يفند نسبة التصريحات إليه. وقد سبق نشر الخبر مع التريب ، إضافة الى عدد من المواقع الالكترونية المغربية والدولية، تفاصيل متقاربة عن المداخلة والعبارات المنسوبة إلى رئيس مجلس النواب.
سياسيا ودستوريا، تتجاوز عبارة “والله لا شافها” حدود المناوشة بين قياديين حزبيين؛ فهي توحي بوجود قدرة مسبقة على حسم توزيع الحقائب الوزارية قبل أن تقول صناديق الاقتراع كلمتها، وقبل تعيين رئيس الحكومة وتشكيل الأغلبية، والحال أن الفصل 47 من الدستور ينص على أن الملك يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها، بما يجعل منح حقيبة وزارية أو منعها اختصاصا لا يملكه بصورة منفردة لا رئيس مجلس النواب ولا أي عضو في المكتب السياسي لأي حزب من الأحزاب..
كما تثير العبارة مفارقة واضحة بين استحضار المؤسسة الملكية وخطاباتها في مرافعة أخلاقية، وبين تقديم أحكام قطعية حول تركيبة حكومة لم تتشكل بعد، فالدفاع عن نزاهة الحياة السياسية لا ينسجم مع خطاب يوحي بأن “الوزارات ملكية حزبية خاصة”، أو أن توزيعها محسوم سلفا خارج المنطق الدستوري ونتائج الاقتراع ومفاوضات تشكيل الأغلبية .
لكن النقاش لا يتوقف عند حدود “التسجيل المسرب”، فعندما يختار مسؤول سياسي تقديم نفسه مدافعا عن النزاهة والأخلاق واحترام المؤسسات، يصبح من المشروع صحفيا استدعاء الأرشيف المنشور حول مساره، شريطة عدم تحويل ما نشرته الصحافة في فترات سابقة إلى إدانة جديدة، وعدم إغفال احتمال أن تكون بعض الملفات قد عرفت تسويات قانونية أو مالية لاحقة.
ففي يوم 30 أكتوبر 2013، نشر موقع “اليوم 24” معطيات عن استدعاء قال إنه حصل على نسخة منه، صادر عن رئيس غرفة الجنح الاستئنافية العادية بمحكمة الاستئناف بتطوان، يدعو الطالبي العلمي إلى المثول أمام المحكمة بصفته، وفق نص الوثيقة المنشور، متابعا في قضية إصدار شيك دون رصيد. ونقل الموقع عنه آنذاك جوابا مقتضبا قال فيه: “لا علم لي بالموضوع!”، وربط الموقع الملف بقضية تعود إلى سنة 1996، مشيرا إلى حكم بثلاثة أشهر حبسا موقوف التنفيذ وغرامة قدرها 230 ألف درهم وتعويض لفائدة مصرف المغرب، قبل تأييده استئنافيا سنة 1999، وفق الأرقام والتواريخ التي أوردها المصدر نفسه.
وهذه معطيات منشورة منذ سنوات، لكنها تستوجب، عند إعادة تداولها، التأكيد أن وضع الملف النهائي وأي إجراءات أو تسويات لاحقة يحتاجان إلى وثائق قضائية محينة أو توضيح من المعني بالأمر.
وفي يونيو 2015، أعادت جريدة “الأخبار”، من خلال افتتاحية لرشيد نيني تحت عنوان “شيك بدون رشيد”، استحضار قضايا الشيكات التي ربطتها بالطالبي العلمي ومساره التجاري بمدينة تطوان. وذكرت الافتتاحية في الوقت ذاته، أنه قد سوى وضعيته تجاه الضرائب والبنوك المرتبطة بتلك القضايا، وهو تفصيل مهم يمنع تقديم الملفات القديمة وكأنها ظلت بالضرورة مفتوحة إلى اليوم.
أما الجانب التجاري والاجتماعي من هذا الأرشيف، فيرتبط بشركة “نورفيكوير” ومعمل للخياطة بالمنطقة الصناعية في تطوان. فقد نشرت صحف وطنية، منذ سنة 2010، معطيات عن إجراءات تحصيل وحجز مرتبطة بمتأخرات ضريبية واجتماعية، إلى جانب مطالب مستخدمين سابقين بتنفيذ أحكام قضائية صادرة لفائدتهم.
وفي أبريل 2016، نشرت جريدة “الاخبار” داتها، خبرا يفيد بأن رئيس مصلحة كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية بتطوان أعلن عرض الأصل التجاري لشركة «نورفيكوير»، التي نسبتها الصحيفة إلى الطالبي العلمي، للبيع بالمزاد العلني يوم 20 ماي 2016، بثمن افتتاحي بلغ 3.602.494,80 درهماً.
كما نقلت “جريدة الصباح” ومواقع أخرى الخبر نفسه، مستندة إلى إعلان المزاد والخبرة المنجزة لتحديد الثمن الافتتاحي، وتحدثت التغطيات الصحفية آنذاك عن دائنين ومستخدمين سابقين ومستحقات عمومية، وعن إجراءات حجز وتنفيذ تعود إلى سنوات مختلفة، لكن الدقة تقتضي القول إن الإعلان عن المزاد لا يثبت، بمفرده، أن البيع تم فعلاً، كما أن تلك المعطيات لا تجيب عن مصير الديون أو التسويات التي ربما حدثت بعد تاريخ النشر.
وتكمن أهمية استحضار هذا الأرشيف إذن، لا في إصدار حكم أخلاقي نهائي على الطالبي العلمي، ولا في استعمال الماضي لتجريده من حقه في مناقشة ممارسات خصومه، بل في اختبار مدى اتساق الخطاب السياسي مع سيرة صاحبه، في اطار التجرد والخط التحريري للموقع “الرأي والرأي الاخر”، حيث ان المسؤول الذي يضع الآخرين أمام ميزان الأخلاق، مطالب بأن يقبل إخضاع مواقفه ومساره للميزان نفسه، وأن يقدم للرأي العام أجوبة واضحة عن الوقائع المنشورة بدل الاكتفاء بخطاب الوعظ أو تبادل الاتهامات.
كما أن انتقاد الترحال الحزبي واستقطاب المنتخبين لا يمكن أن يكون انتقائيا، فإذا كان انتقال السياسيين بين الأحزاب يمس أخلاقيات المنافسة عندما يخسر الحزب بعض أعضائه، فلا يمكن اعتباره تعبيرا عن حرية الاختيار حين يكون الحزب نفسه مستفيدا منه. ومن هنا، يصبح النقاش الحقيقي أكبر من خلاف بين “الأحرار” و”البام” أو مواجهة بين الطالبي العلمي ولقجع؛ إنه نقاش حول قواعد المنافسة التي ينبغي أن تطبق على الجميع، سواء كانوا في موقع المستفيد أو المتضرر.
أما حديث الحقائب الوزارية، فيضع رئيس مجلس النواب أمام سؤال مؤسساتي أكثر حساسية: هل كان الأمر مجرد انفعال داخلي وتسخين انتخابي، أم أنه يكشف تصورا يعتبر الحكومة المقبلة نتيجة محسومة وتوزيع الوزارات قرارا حزبيا سابقا على الاقتراع؟ وفي الحالتين، يبقى التوضيح ضروريا، لأن الموقع الدستوري لرئيس مجلس النواب يفرض قدرا أكبر من التحفظ والدقة في الحديث عن مؤسسات الدولة واختصاصاتها.
لقد أعاد التسجيل المنسوب إلى الطالبي العلمي فتح أرشيف لم يكن حاضرا بقوة في النقاش العمومي. وليس المطلوب محاكمة الرجل مرتين بسبب وقائع قديمة أو ملفات ربما سويت، وإنما مطالبته بما يطالب به خصومه: الوضوح، وتقديم الأدلة، واحترام المؤسسات، وقبول المساءلة السياسية والإعلامية.
فمن يرفع شعار تخليق الحياة السياسية عليه أن يبدأ بكشف حقيقة التسجيل وسياقه، وتوضيح المقصود بالعبارات المنسوبة إليه، ثم الرد على ما نشرته الصحافة الوطنية بشأن ملفاته السابقة ومآلها النهائي. عندها فقط يمكن للرأي العام أن يميز بين درس حقيقي في الأخلاق السياسية ومجرد خطاب انتخابي يُستعمل في معركة النفوذ وتوزيع المواقع.
والسؤال المطروح: “ماذا لو أعيد فتح الملفات المرتبطة بمسار الطالبي العلمي، ليس فقط تلك التي تداولتها الصحافة بشأن نشاطه التجاري، بل أيضا قبل، وما بعد عن ملفات أثيرت خلال وجوده في مواقع المسؤولية الحكومية؟”
فالرجل قبل توليه رئاسة مجلس النواب لولايتين متفرقتين، وذلك موضوع أخر!، سبق أن شغل حقيبة الشباب والرياضة، وهي مرحلة ظلت محاطة، في الخطاب السياسي والإعلامي، بتساؤلات حول عدد من الملفات وطريقة تدبيرها ومآلها بعد مغادرته الوزارة!، كما ترددت، في مراحل بعدها، معطيات عن اطلاع مسؤولين تعاقبوا على القطاع على ملفات كان من شأن فتحها أو إخراجها إلى العلن أن يشعل مواجهة سياسية بين حزبين شاركا معا في حكومة سعد الدين العثماني!.
وتذهب بعض الروايات المتداولة إلى أن أحد الوزراء الذين تعاقبوا على القطاع أدى ثمنا سياسيا لمحاولته الاقتراب مما وصف بـ”المستور”. غير أن خطورة هذه المعطيات تفرض الانتقال من التلميح إلى الإثبات: ما طبيعة هذه الملفات؟ ومن تداولها؟ وهل “سينطق” من أدى ثمنها؟ وهل خضعت لافتحاص إداري أو مالي؟ وهل أُحيلت على مؤسسات الرقابة أو القضاء؟ ثم ما علاقة ما جرى لاحقا بالصراع الحزبي داخل الأغلبية الحكومية آنذاك؟!
إن إعادة طرح هذه الأسئلة لا ينبغي أن تتحول إلى اتهام مجاني أو محاكمة سياسية قائمة على الإشاعات، لكنها تضع أصحاب الروايات والوثائق أمام مسؤوليتهم، فإذا كانت هناك بالفعل تقارير أو مراسلات أو نتائج افتحاص، فإن مكانها الطبيعي هو المؤسسات المختصة والرأي العام ضمن الحدود التي يسمح بها القانون، لا أن تظل أوراقا تستعمل عند اشتداد الصراع ثم تعاد إلى الأدراج بعد عقد التسويات.
وهنا تصبح المفارقة أكثر وضوحاً: الطالبي العلمي الذي يتحدث اليوم عن “الترهيب والترغيب” ويدعو أعضاء المكتب السياسي بان يكونوا “رجالة”، ويطالب بتخليق المنافسة السياسية، قد يجد نفسه مطالباً بالإجابة عن أسئلة تتجاوز “التسجيل الصوتي “، إلى مراحل سابقة من مساره الحكومي والتجاري!.
وإذا قرر خصومه إخراج ما يقولون إنها ملفات قديمة !، فقد لا يبقى الصراع محصورا في استقطاب مرشحين أو التنافس على حقيبة وزارة الاقتصاد والمالية، بل قد يتحول إلى مواجهة مفتوحة حول ربط المسؤولية بالمسؤولية واستعمال الملفات في تصفية الحسابات.
ومع ذلك، يبقى المبدأ واحدا : لا إدانة من دون وثائق، ولا حصانة سياسية من المساءلة، ولا يجوز تحويل المؤسسات الرقابية والتنفيذية إلى” أدوات” في الصراع الحزبي. فإما أن تكون الملفات حقيقية فتأخذ مسارها القانوني، وإما أن تكون مجرد إشاعات ووسائل ضغط، وعندها يتعين وقف توظيفها والإعلان بوضوح عن عدم وجود ما يثبتها.
لذلك، فإن السؤال ليس فقط: ماذا سيحدث إذا أُخرجت ملفات الطالبي العلمي إلى الوجود؟ بل أيضاً: لماذا ظلت هذه الملفات، إن كانت موجودة فعلاً، بعيدة عن المساءلة كل هذه السنوات؟ ومن كان يحمي صمتها، ومن يقرر توقيت إخراجها، وهل تتحرك آليات المحاسبة دفاعا عن المال العام، أم فقط “عندما تنهار التحالفات وتشتعل حروب المواقع؟”.
وفي انتظار ما سيحدث، او الخروج الى العلن لشرح ما جرى ويجري، نستحضر المثل الشائع : “اذا كان بيتك من زجاج.. فلا ترمي الناس بالحجارة؟!
حدثكم

