مع اقتراب موعد إيداع الترشيحات للانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، تشهد مقرات عدد من الأحزاب تحركات متسارعة، عنوانها الأبرز صراع التزكيات وانتقال منتخبين وفاعلين سياسيين من تنظيم إلى آخر، في سباق لإعادة ترتيب المواقع قبل دخول الاستحقاقات مرحلتها الحاسمة.
ويبرز إقليم ورزازات باعتباره إحدى الساحات التي تعكس هذا الحراك، بعدما جرى تداول بلاغ منسوب إلى فاعلين سياسيين وجمعويين ومنتخبين، أعلنوا من خلاله عزمهم تجميد علاقتهم التنظيمية بحزب التجمع الوطني للأحرار والتوجه نحو الالتحاق الجماعي بحزب الأصالة والمعاصرة.
وربط أصحاب البلاغ موقفهم بما وصفوه بـ”الإقصاء وفرض الأشخاص من دون استشارة القواعد”، مؤكدين أن الخلاف يرتبط أساساً بالأسماء المرشحة لخوض الانتخابات المقبلة في الإقليم، وفي مقدمتها النائب البرلماني يوسف شيري.
واعتبر الداعمون لهذا التوجه أن اختيار شيري لا يعكس إرادة جزء من القواعد الحزبية والساكنة المحلية، متهمين إياه بالغياب عن الساحة السياسية وعن عدد من جماعات الإقليم خلال السنوات الخمس الماضية، وعدم تقديم حصيلة تستجيب، وفق موقفهم، لانتظارات المنطقة.
وفي المقابل، أكدت التنسيقية الإقليمية لحزب التجمع الوطني للأحرار بورزازات تماسك صفوف الحزب والاتفاف حول يوسف شيري، نافية وجود تصدعات داخلية بالحجم الذي تحدثت عنه الوثيقة المتداولة، ، ويكشف هذا التضارب حجم الصراع المحيط بتدبير الترشيحات.
وتربط مصادر محلية أخرى التحركات الجارية بتذمر فاعلين كانوا محسوبين على أل شباعتو من طريقة تدبير ملف الترشيحات داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، معتبرة أن القرارات اتخذت بصورة مركزية ومن دون مناقشة كافية لملفات الراغبين في الترشح أو الرجوع إلى القواعد المحلية.
ولا يقتصر الجدل، وفق المصادر ذاتها، على دائرة ورزازات أو اسم يوسف شيري، بل يمتد إلى طريقة تدبير الترشيحات في دوائر أخرى، وسط حديث داخل الحزب عن تمتع بعض الشخصيات بما يصفه المنتقدون بـ”الحصانة” من القيادة، ومن بينها مصطفى بايتاس ولحسن السعدي. وتظل هذه المعطيات مرتبطة بمواقف ومصادر حزبية محلية، ولم يصدر بشأنها توضيح رسمي من المركز..
ويبدو أن حزب الأصالة والمعاصرة يسعى إلى استثمار هذه الخلافات، مستفيدا من حضوره المتزايد في عدد من الدوائر، وأصبحت وجهة “الجرار” مطروحة أمام فاعلين ومنتخبين يبحثون عن مواقع جديدة، بعد تعثر حصول بعضهم على التزكية داخل أحزابهم الأصلية.
ولا تختلف الصورة كثيراً داخل حزب الحركة الشعبية، الذي يواجه تداعيات استقالة السعيد أمسكان، رئيس مجلس حكماء الحزب وأحد أقدم قيادييه، بعد مسار تنظيمي امتد لنحو نصف قرن، .
وربط أمسكان استقالته بخلافات حول تدبير ملف الترشيحات وبما وصفه بالإقصاء، معلناً مغادرة الحزب وجميع هياكله، وقد فتحت استقالته الباب أمام تساؤلات بشأن مصير عدد من المنتخبين والفاعلين الموالين له، وسط حديث عن استقالات أخرى قد تصل إلى الأمانة العامة للحركة الشعبية، خصوصاً من المناطق التي كان يتمتع فيها بنفوذ تنظيمي وانتخابي.
وفي المقابل، يراقب حزب الاستقلال هذه التصدعات باهتمام كبير، باعتباره من التنظيمات المرشحة للاستفادة من انتقال بعض الأسماء الباحثة عن التزكية أو عن موقع انتخابي أكثر ملاءمة، بما يدعم طموحه إلى تصدر نتائج الاقتراع والمنافسة على قيادة الحكومة المقبلة.
وكان الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، قد رفع منذ مدة سقف انتقاداته لبعض الممارسات المرتبطة بتدبير الدعم العمومي، خصوصا في ملف استيراد الأغنام والأبقار لتلبية حاجيات السوق خلال عيد الأضحى، مستعملاً تعبير “الفراقشية” في وصف المستفيدين الذين قال إنهم انحرفوا بالدعم عن أهدافه، وأثارت تصريحاته حينها سجالاً داخل الأغلبية الحكومية، بعدما اعترض قياديون في التجمع الوطني للأحرار على الأرقام والمعطيات التي قدمها.
ويخوض حزب الاستقلال الاستحقاقات المقبلة بقيادة نزار بركة، الذي نجح في تجاوز تداعيات “البلوكاج” التنظيمي الذي سبق مؤتمره الأخير، والخروج منه بتعزيز موقعه داخل الحزب، قبل أن يرفع سقف طموحه الانتخابي والسياسي.
أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فأصبح بدوره موضوع نقاش في “الشارع الانتخابي”، عقب استقالات وخلافات مرتبطة بتدبير تزكيات اللوائح الجهوية الخاصة بالنساء.
وكانت المحامية وعضو المجلس الوطني للحزب، مريم جمال الإدريسي، قد طالبت بفتح تحقيق بشأن ما وصفته بشبهة اعتماد المساهمات المالية معياراً للمفاضلة بين المرشحات، متحدثة عن مبالغ مالية بارقام باهضة، قيل إنها متداولة في محيط بعض الترشيحات، غير أنها أوضحت بأنها لم تعاين وثائق تثبت تلك الأرقام، بل هي معلومات تستوجب التحقق.
كما انضمت القيادية الاتحادية خدوج السلاسي إلى الأصوات المنتقدة لطريقة تدبير اللوائح الجهوية، محذرة من تحويل القدرة المالية إلى معيار للمفاضلة بين المرشحات على حساب النضال والكفاءة والحضور التنظيمي، وتزيد هذه التطورات من الضغوط على قيادة الحزب في مرحلة حساسة تسبق إيداع الترشيحات.
غير أن الترحال السياسي الذي تعرفه الساحة خلال الأسابيع الأخيرة لا يضمن بالضرورة النجاح لأصحابه أو للأحزاب المستقبلة، فانتقال الأسماء قد يوفر دعما انتخابيا محليا، لكنه قد يثير في المقابل اعتراضات داخلية وصراعا بين المناضلين القدامى والوافدين الجدد حول ترتيب اللوائح وتوزيع التزكيات.
ومع انطلاق فترة إيداع الترشيحات بين 31 غشت و8 شتنبر، تتجه هذه التحركات إلى مزيد من التسارع، قبل بدء الحملة الانتخابية الرسمية في 10 شتنبر، أما الحسم فسيبقى رهين صناديق الاقتراع يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026.
وإلى ذلك الحين، ستظل المقرات الحزبية مفتوحة على المفاوضات والمفاجآت، إذ لا يستطيع أي حزب، مهما استقطب من أسماء أو استفاد من تصدعات منافسيه، أن يتنبأ بصورة نهائية بالخريطة السياسية التي ستفرزها الانتخابات المقبل.
ح.ا

