تحديات ورهانات الإعلام والديمقراطية في الانتخابات

أثار الكاتب الصحافي جمال المحافظ الانتباه الى الدور المهم الذي يضطلع به خلال العمليات الانتخابية الإعلام الذي يعد الرئة التي تتنفس بها الانتخابات عصب العملية الديمقراطية.

 ومن هذا المنطلق، أعرب جمال المحافظ الباحث في العلوم السياسية والاعلام الذي كان يتحدث في برنامج “الوسيط” بالقناة التلفزية الثانية الذي بثته السبت 29 غشت 2026، عن اعتقاده الراسخ بأنه ” لا يمكن تصور انتخابات حرة بدون إعلام حر  وتنافسي يضمن تدفق المعلومات”، مبرزا بأن الإعلام يوفر فضاء للهيئات السياسية، لعرض برامجها، ويتيح في ذات الوقت للناخبين اتخاذ قرارات تكون مبنية على معلومات دقيقة.

   وذكر بأن دور الاعلام الانتخابات، يرتبط بعدة عناصر، منها المساهمة في تثقيف الناخبين وتقديم المعلومات حول القوانين الانتخابية ومواعيد وإجراءات عمليات التصويت والاعلان عن النتائج، فضلا عن توفير منصة للحوار والنقاش العمومي، وإتاحة الفرصة للأحزاب السياسية بطرح برامجها، وتوجيه رسائلها، والتفاعل مع الناخبات والناخبين والرأي العام بصفة عامة. وأضاف في هذا الصدد، بأن الأمر لا يقتصر على ذلك، بل تقوم وسائل الاعلام على تسليط الضوء على سير العملية الانتخابية، ورصد التجاوزات والانحرافات التي قد تطال هذه الاستحقاقات، مع إبراز القضايا السياسية والاقتصادية الاجتماعية.

تعددية وحياد

وارتباطا بالإعلام والانتخابات على المستوى الوطني، توقف جمال المحافظ، عند الدور المحوري الذي تلعبه الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري ( الهاكا ) في عمليات تنظيم وتأطير الانتخابات ، من خلال ما يناط بها من مهام في هذا المجال، في طليعتها السهر على ضمان التعددية السياسية وتكافؤ الفرص وضمان حياد وسائل الإعلام خلال الانتخابات.

 وأشار في هذا الصدد إلى أن ( الهاكا )، تلزم الإذاعات والقنوات العمومية والخاصة بتخصيص حيز زمني عادل ومنصف لمختلف الأحزاب السياسية، سواء خلال الحملة الانتخابية أو خارجها، مع الحرص على تكافؤ الفرص، علاوة على منع  أي تفضيل أو تمييز بين الأحزاب المشاركة في التغطيات الإعلامية والبرامج الحوارية ومواجهة التلاعب بالمعلومات أو التحريف في تدخلات المترشحين.

الزمن الانتخابي

ومن جهة أخرى اعتبر جمال المحافظ أن الالتزام بإجراء الانتخابات المقبلة في موعدها الدستوري، قد يكون برهانا من طرف السلطات على احترام الزمن التشريعي والانتخابي ، وهو ما وفر مدة كافية للهيئات السياسية، للقيام بالاستعدادات المطلوبة في أفق تنظيم هذه الاستحقاقات.

 وبخصوص دور الاعلام في استعادة ثقة الناخبات والناخبين المفقودة في الحياة السياسية، أوضح جمال المحافظ بأن المطلوب من الفاعلين من مختلف المواقع، وليس فقط الإعلام لرفع التحديات المطروحة نتيجة أزمة الثقة العميقة في العمل السياسي، وهو ما يتطلب مقاربة متعددة الأبعاد، في ظل تحديات ورهانات الثورة الرقمية.

وباعتباره مؤسسة ديمقراطية، فإن الإعلام يلعب دورا رئيسا في حماية المواطنات والمواطنين خاصة من تغول وتدخل السلطة في الحد من حرياتهم الفردية والجماعية، وهذا ما يجعل العلاقة بين الإعلام والدولة، تتسم في غالب الاحيان بنوع من التعقيد التوتر.

الاعلام والوساطة

واعتبر أنه على الرغم من أن دور وقدرة ميديا الاعلام على تعزيز الديمقراطية، لازالت جد محدودة، فإن هناك من يحمل وسائل الاعلام والاتصال، المسؤولة عن السلبيات التي تعاني منها الديمقراطيات الناشئة أو تلك التي تعرف انتقالا ديمقراطيا. لكن في ظل الحالة التي تكون فيها مؤسسات الوساطة، منها الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، قد فقدت مصداقيتها، فإن الإعلام، يظل حاضرا، لكونه من بين الأدوات الرئيسة لتوجيه، وتشكيل الرأي العام، فضلا عن نشر الأخبار وتوفير المعلومات المخالفة خاصة تلك المرتبطة بتدبير الشأن العام.

قاطرة للإعلام

وأشار جمال المحافظ، إلى أن الإعلام والديمقراطية على المستوى الوطني، ارتبطا تاريخيا بعلاقات وثيقة، وأن تطوير ذلك يقتضى بالأساس، إطلاق إعلام تعددي، حر ومستقل حتى تتمكن وسائل الإعلام من المساهمة بفعالية في تنشيط النقاش السياسي والثقافي والاجتماعي بالبلاد، معبرا عن اعتقاده بأن الإعلام العمومي في حال إصلاحه وتطويره، يمكن أن يشكل قاطرة للإعلام الوطني.  

ومن جهة أخرى، ذكر جمال المحافظ، بأنه على الرغم من أن دستور 2011 نص لأول مرة، على الحق في الاعلام، وأن حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها..، مع ضمان حق الجميع في التعبير، ونشر الأخبار والأفكار والآراء بكل حرية، واحترام التعددية اللغوية والثقافية والسياسية للمجتمع ، فإن تفعيل غالبية هذه المقتضيات الدستورية، لا يزال يصطدم بإكراهات ذاتية وموضوعية، في مقدمتها، بيئة الممارسة الإعلامية، والنقص الحاصل في التربية الإعلامية، وتراجع منسوب أخلاقيات المهنة، وعدم استيعاب مختلف الفاعلين للأدوار الهامة التي تضطلع بها وسائل الاعلام والاتصال، في مجال النهوض بحرية التعبير وحقوق الإنسان .

بيئة ديمقراطية

وفي هذا الإطار أكد جمال المحافظ على أنه يقع على وسائل الاعلام، مسؤولية، ضمان تغطية شاملة ومتوازنة للعملية الانتخابية وبدون تحيز، مع توخى الإنصاف والدقة والموضوعية، مع ضمان حق كافة الهيئات السياسية من الولوج لوسائل الإعلام العمومية، معارضة وأغلبية بدون اقصاء وتمييز، مع الامتناع عن الدعوة إلى الكراهية والعنصرية والتحريض على العنف والتطرف، مع ضمان حق الجميع في إبداء آراء نقدية بشكل عادل و توفير تغطية إعلامية منصفة.

غير أنه قال إن التساؤل الرئيسي الذي يظل مطروحا، هل ستتمكن وسائل الاعلام الوطنية من رفع هذه التحديات في الانتخابات التشريعية في 23 شتنبر المقبل؟، معبرا عن اعتقاده بأن نجاح المواكبة الإعلامية لهذه الاستحقاقات، يقتضى ضمان حرية تداول المعلومات حتى تلك المخالفة، وتوفير بيئة ديمقراطية وحرية للتعبير، تكون ملائمة للفعل الإعلامي، مع وجود اعلاميين مهنيين لهم مؤهلات وقدرات تمكنهم من مواكبة وتغطية الاستحقاقات الانتخابية على قاعدة اعلام الحقيقة، وعدم السقوط في التضليل والتعتيم.

وخلص جمال المحافظ إلى القول بأن وسائل الاعلام مطالبة بالالتزام بالمهنية والموضوعية والتقيد بالتوازن في مواكبة الانتخابات مع الانفتاح على كافة الآراء، عوض أن تتحول خلال العمليات الانتخابية إلى مكبر صوت ووسيلة قد تستغل لإقصاء بعض الهيئات السياسية  والآراء المعارضة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.