+ خديجة الگور: مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تطرح الأحزاب السياسية برامجها وتصوراتها أمام المواطنين، وتتعدد القضايا التي تتناولها بين تحسين القدرة الشرائية، ودعم التشغيل، وإصلاح الصحة والتعليم، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتطوير الخدمات العمومية، ودعم الشباب، وتقليص الفوارق المجالية. كما تتضمن بعض البرامج مقترحات تتعلق بالسيادة الاقتصادية، والأمن الطاقي والمائي، والتحول الرقمي، والتنمية الصناعية، وغيرها من القضايا الاستراتيجية.
غير أن المتتبع للنقاش الانتخابي يلاحظ أن القدرة الشرائية تحتل موقعاً مركزياً في الخطاب الحزبي، وأن المنافسة تدور حول من سيعد المواطن بدعم و مساعدات أكبر لتخفيف كلفة المعيشة سيرا على نهج حكومة اختوش. ولا شك أن تحسين الدخل والحد من تأثير ارتفاع الأسعار مسؤولية أساسية للسياسات العمومية، وأن المواطن يريد حلولاً ملموسة لمشاكله اليومية. لكن السؤال الذي يستحق أن يطرح نفسه هو: هل يكفي أن نتحدث عما سيحصل عليه المواطن اليوم، من دون أن نتحدث بالقدر نفسه عما سيكون عليه المغرب غداً؟
فالمغرب لا يعيش في عزلة عن العالم من حوله يتغير بسرعة، وتتغير معه قواعد القوة والتنافس ومصادر النفوذ.
عالم جديد يعيد تشكيل موازين القوة
نحن أمام تحولات تتجاوز الأزمات الظرفية. فالنظام الدولي يشهد إعادة ترتيب لموازين القوى، ولم تعد القوة تقاس فقط بحجم الجيوش أو الترسانة العسكرية، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بالاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والعلوم والموارد الطبيعية والقدرة على التحكم في سلاسل الإنتاج والإمداد.
العالم يتجه نحو مزيد من التنافس بين القوى الكبرى، لكن التنافس لا يقتصر على الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا. فدول أخرى، مثل الهند وتركيا ودول الخليج، تعمل بدورها على توسيع نفوذها وبناء مواقع أكثر استقلالاً في النظام الدولي.
وفي هذا العالم، أصبحت الطاقة والغذاء والمعادن الاستراتيجية والتكنولوجيا والبيانات و المعلومات عناصر أساسية في معادلة القوة. وأصبح السؤال الذي يفرض نفسه على الدول هو: من يمتلك القدرة على تأمين احتياجاته الأساسية، ومن يملك التكنولوجيا والمعرفة التي تمكنه من حماية استقلال قراره؟
الذكاء الاصطناعي: التحول الذي سيغير قواعد اللعبة
في قلب هذه التحولات يبرز الذكاء الاصطناعي باعتباره واحداً من أكثر التطورات تأثيراً في مستقبل الاقتصاد والمجتمع والدولة. فهو سيغير طبيعة العديد من المهن، وسيعيد تشكيل طرق التعلم والإنتاج والإدارة والبحث العلمي، وسيفتح أمام الشركات والأفراد إمكانات كانت في الماضي حكراً على المؤسسات الكبرى.
لكن الثورة التكنولوجية تحمل معها تحديات جديدة. فقد أصبح من الممكن إنتاج صور وأصوات ومقاطع فيديو ومعلومات مزيفة بدرجة عالية من الإقناع، وهو ما يفتح الباب أمام أشكال جديدة من التضليل والتلاعب بالرأي العام.
وهنا تظهر مشكلة تتجاوز التكنولوجيا نفسها: ماذا يحدث للديمقراطية عندما يصبح من الصعب على المواطن أن يعرف ما إذا كان ما يراه أو يسمعه حقيقياً أم مصطنعاً؟
لذلك ستكون معركة المستقبل أيضاً معركة من أجل الحقيقة والثقة، لأن انهيار الثقة في المؤسسات والإعلام والسياسة قد يفتح المجال أمام الشعبوية والتضليل ونظريات المؤامرة.
أفريقيا: الشباب الذي يمكن أن يصنع القرن
وفي خضم هذه التحولات، تبرز أفريقيا باعتبارها إحدى أهم مناطق العالم من الناحية الديموغرافية. فالقارة تتوفر على ثروة بشرية شابة، وستتزايد أهميتها في الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
وهذه الثروة يمكن أن تكون فرصة تاريخية إذا استطاعت الدول الأفريقية تحويلها إلى رأس مال بشري منتج، من خلال التعليم والتكوين والتشغيل والابتكار والتصنيع. لكنها قد تتحول أيضاً إلى مصدر للضغط الاجتماعي والهجرة إذا عجزت الاقتصادات عن توفير فرص حقيقية للشباب.
ومن هنا، فإن الهجرة ليست مجرد قضية حدود. إنها في عمقها قضية مرتبطة بالتنمية والعدالة والكرامة والأمل. فالشاب الذي يرى مستقبله في بلده، ويجد فيه فرصة للتعلم والعمل وتحقيق الذات، لن تكون الهجرة بالنسبة إليه الخيار الوحيد.
المغرب: موقع استراتيجي ومسؤولية أكبر
في هذا السياق الدولي والأفريقي، يمتلك المغرب موقعاً استراتيجياً متميزاً. فهو بوابة على أوروبا، وجزء أساسي من الفضاء الأفريقي، وفاعل في محيطه العربي والمتوسطي، كما راكم خلال السنوات الماضية بنية تحتية وصناعية ولوجستية مهمة، وحقق تقدماً في مجالات متعددة، من بينها الطاقات المتجددة والصناعة والتكنولوجيا.
لكن الموقع الجغرافي، مهما بلغت أهميته، لا يصنع وحده قوة اقتصادية أو سياسية. القوة تبدأ عندما يتحول الموقع إلى قيمة مضافة، والاستثمار إلى إنتاج، والتعليم إلى معرفة، والشباب إلى رأسمال بشري قادر على المنافسة.
وهنا تكمن إحدى أهم رهانات المغرب: هل يكتفي بمواكبة التحولات العالمية، أم يستطيع أن يحول موقعه وإمكاناته إلى عناصر قوة ونفوذ ومكانة داخل محيطه؟
الشباب ليس عبئاً اجتماعياً بل ثروة وطنية
من أكبر الأخطاء النظر إلى الشباب باعتباره مجرد فئة تحتاج إلى الدعم. الشباب هو أهم رأسمال يمتلكه المغرب.
المشكلة ليست فقط في البطالة، وإنما في فقدان الأمل. فعندما يشعر الشاب بأن فرص النجاح محدودة في بلده، وأن مستقبله مرتبط بالهجرة، تتحول المسألة من مشكلة اجتماعية إلى تحدٍّ وطني واستراتيجي.
ولهذا، فإن السياسة الموجهة إلى الشباب لا ينبغي أن تختزل في الدعم المالي أو البرامج الظرفية، بل يجب أن تقوم على التعليم الجيد، والتكوين المستمر، واكتساب المهارات الرقمية، وخلق فرص العمل، وتشجيع الابتكار والمقاولة، وتوسيع المشاركة في الحياة العامة.
الشباب لا يحتاج فقط إلى من يساعده على مواجهة الحاضر، بل يحتاج إلى من يفتح أمامه أبواب المستقبل.
الطاقة والماء والغذاء: مقومات السيادة
في العالم الجديد، لم تعد السيادة مرتبطة فقط بالحدود والأمن العسكري. فالقدرة على تأمين الطاقة والماء والغذاء والتكنولوجيا أصبحت جزءاً من السيادة الوطنية.
ولهذا، فإن النقاش حول الطاقة لا ينبغي أن يقتصر على تكلفة فاتورة الكهرباء بالنسبة إلى المواطن، رغم أهمية ذلك. السؤال الأعمق هو: كيف يمكن للمغرب أن يحول إمكاناته الكبيرة في مجال الطاقات المتجددة إلى قوة اقتصادية وصناعية وتكنولوجية؟
والأمر نفسه ينطبق على الماء، الذي أصبح من أكثر القضايا إلحاحاً بالنسبة إلى مستقبل البلاد، لما له من ارتباط مباشر بالفلاحة والأمن الغذائي والصناعة والاستقرار الاجتماعي والتنمية المجالية.
مغرب بسرعتين أم مغرب موحد في الفرص؟
يبقى التحدي الداخلي الأكبر هو خطر اتساع الفوارق بين مغرب حديث ومندمج في الاقتصاد العالمي، ومغرب آخر ما زالت بعض مناطقه، خصوصاً القروية والجبلية والمجالات النائية، تعاني من صعوبات في الوصول إلى الصحة والتعليم والنقل والماء والخدمات الرقمية وفرص الشغل.
إن تقليص هذه الفوارق ليس مجرد مطلب اجتماعي، بل هو أيضاً شرط من شروط القوة الوطنية. فلا يمكن بناء مغرب قادر على المنافسة عالمياً إذا بقي جزء من أبنائه خارج مسار التنمية والتحول.
المطلوب هو مغرب لا تختلف فيه سرعة الحصول على الحقوق والخدمات والفرص باختلاف مكان الولادة أو الإقامة.
من سياسة الدعم إلى سياسة التمكين
لا يمكن إنكار أهمية القدرة الشرائية. فالمواطن الذي يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة يحتاج إلى حلول عاجلة، والدولة مطالبة بحماية الفئات الهشة وضمان الحد الأدنى من العيش الكريم.
لكن الدعم، مهما كانت أهميته، لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن التنمية. فالمساعدة تخفف عبئاً، بينما العمل يمنح الاستقلال. والتكوين يفتح آفاقاً، والاستثمار يخلق الثروة، والصناعة توفر فرصاً مستدامة، والتعليم يصنع أجيالاً قادرة على المنافسة.
وهنا يجب أن ينتقل النقاش السياسي من سؤال: «ماذا ستعطيني الدولة؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: «ماذا ستتيح لي الدولة أن أكون؟»
هذه هي المسافة بين سياسة تقوم على توزيع المساعدات، وسياسة تقوم على تمكين المواطن.
الانتخابات يجب أن تكون نقاشاً حول المستقبل
من الطبيعي أن تتنافس الأحزاب حول تحسين حياة المواطنين، ومن الطبيعي أن يبحث الناخب عن حلول لمشاكله اليومية. لكن الانتخابات ليست فقط مناسبة لتقديم الوعود الاجتماعية، وإنما هي أيضاً فرصة لفتح نقاش حول موقع المغرب في عالم يتغير بسرعة.
نحن بحاجة إلى أن نسأل: كيف نحسن القدرة الشرائية اليوم، ونبني في الوقت نفسه اقتصاد الغد؟ كيف نحمي المواطن اجتماعياً، ونمنحه في الوقت ذاته الوسائل التي تمكنه من الاعتماد على نفسه؟ كيف نحول الشباب من مجرد مستفيد من السياسات العمومية إلى شريك حقيقي في التنمية؟ وكيف نحول الموقع الاستراتيجي للمغرب إلى قوة اقتصادية وصناعية وطاقية وتكنولوجية تربط أفريقيا بأوروبا والعالم العربي؟
هذه الأسئلة يجب أن تكون في صميم النقاش الانتخابي.
فالمغرب لا يحتاج إلى أن يصبح قوة عظمى، لكنه يحتاج إلى أن يكون قوة وازنة في محيطه: قوة اقتصادية وصناعية ولوجستية وطاقية ورقمية وأفريقية، وقبل كل شيء قوة بشرية قادرة على الإبداع والمنافسة.
إن العالم القادم سيكون أكثر تنافساً، وأكثر اعتماداً على التكنولوجيا، وربما أكثر اضطراباً. والدول التي ستنجح لن تكون بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر الموارد، وإنما تلك التي تستبق التحولات وتستثمر في الإنسان وتبني قدرتها على الصمود والاستقلال.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي في الانتخابات ليس فقط: ماذا سيحصل عليه المواطن غداً؟ بل أيضاً: أي مغرب نريد أن نبني لمن سيكون في العشرين من عمره سنة 2040؟
فالمشكلة ليست أن نبحث عن إجابات لمشاكل اليوم، فهذا واجب السياسة. المشكلة أن نكتفي بإجابات اليوم، بينما العالم من حولنا بدأ منذ الآن في طرح أسئلة المستقبل.
+ أستاذة باحثة في علم الاجتماع

