انطلقت يومه الخميس 10 شتمبر الجاري، الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، فعادت معها الوجوه ذاتها إلى الشوارع والمنصات والتجمعات الخطابية، محملة بالوعود المعسولة والشعارات البراقة. وكأن خمس سنوات لم تمر، وكأن المغاربة لا يتذكرون ما قيل لهم خلال حملة 2021، ولا يملكون القدرة على مقارنة ما وُعدوا به بما تحقق فعلياً في حياتهم اليومية.
الأكثر إثارة للاستغراب أن عددا من الأحزاب التي شاركت في حكومة 2021، وتحملت مسؤولية تدبير الشأن العام، تعود اليوم إلى الناخبين بوجه سياسي “مقنّع”، محاولة تقديم نفسها باعتبارها قوة للتغيير، مع أنها كانت جزءامن السلطة التنفيذية وصاحبة القرار أو مشاركة ! . إنها تطلب من المواطنين تجديد الثقة، مستعملة القاموس نفسه تقريبا: “تحسين القدرة الشرائية، وتوفير فرص الشغل، ودعم الطبقة الوسطى، وإصلاح التعليم والصحة، ومحاربة الفوارق الاجتماعية والمجالية، وإعادة الاعتبار إلى الشباب والنساء.. الخ”.
وهي وعود سمعها المغاربة من قبل، لكن قسما كبيرا منها ظل معلقاً في الخطب والبرامج والبلاغات، بينما اصطدم المواطن بارتفاع الأسعار وتكاليف السكن والنقل والعلاج والتمدرس، واتساع الشعور بعدم اليقين، خصوصا لدى الفئات الهشة والطبقة الوسطى والشباب الباحثين عن فرص حقيقية تحفظ كرامتهم.
لا يتعلق الأمر بإنكار كل ما أُنجز، ولا بإصدار حكم شامل يلغي كل السياسات والبرامج التي نُفذت خلال الولاية الحكومية، وإنما بحق الناخب في مساءلة الأحزاب عن الفارق بين الالتزامات والنتائج، وبين قوة الخطاب وضعف الأثر الملموس في الحياة اليومية. فالمحاسبة الديمقراطية لا تقوم على النوايا ولا على الصور والمنصات، بل على حصيلة قابلة للقياس والتقييم.
كان المنتظر من أحزاب الأغلبية السابقة، وهي تدخل حملة 2026، أن تتقدم إلى المواطنين بقدر من التواضع السياسي، وأن تعترف بما نجحت فيه وما أخفقت في تحقيقه، وأن تفسر أسباب تعثر بعض الوعود. لكن بعض الخطابات اختارت الطريق الأسهل: “الهروب إلى الأمام، وتبادل الاتهامات، ومحاولة تحميل الشركاء مسؤولية القرارات المشتركة”، بل إن أطرافا شاركت في الحكومة تحاول اليوم التحدث وكأنها كانت في المعارضة طوال السنوات الماضية.
إنها مفارقة سياسية تطرح أكثر من سؤال: “كيف يمكن لحزب صادق على القرارات داخل الحكومة أن يتبرأ منها في المنصة الانتخابية؟ وكيف يمكن لوزير دافع عن سياسة معينة أن يتحول، بمجرد انطلاق الحملة، إلى واحد من أشد منتقديها؟ ثم كيف يُطلب من المواطن أن يصدق وعوداً جديدة، قبل تقديم حساب واضح عن الوعود القديمة؟!”
إن من كان “يرمي الورود” ، على شركائه بالأمس، أصبح اليوم يضربهم بـ”الحجارة”، كما سبق وان صرح بذلك راشيد الطالبي العلمي، ومن كان يصف التحالف الحكومي بالمنسجم والمتماسك، صار يتحدث عنه باعتباره مصدر الإخفاق. أما المواطن، فيُراد له أن ينسى كل ذلك، وأن يتعامل مع الحملة الحالية كما لو أنها بداية قصة جديدة لا علاقة لها بما سبق.
ولعل عبارة “بلا حشمة” تبدو الأقرب إلى وصف بعض الممارسات الانتخابية التي تعيد تدوير الوعود نفسها، وتقدمها في أغلفة جديدة، من دون اعتذار أو نقد ذاتي أو تحمل صريح للمسؤولية. فالمشكلة ليست في أن تقدم الأحزاب وعودا، لأن البرامج الانتخابية تقوم أساسا على الالتزامات، وإنما في أن تتحول الوعود إلى وسيلة موسمية لاستدراج الأصوات، ثم تختفي بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.
أما المزايدات السياسية وتبادل الشتائم والاتهامات، فلا يضيفان شيئا إلى المشهد، ولا يقدمان جوابا عن أسئلة المغاربة الحقيقية، فالمواطن لا يحتاج إلى معرفة من صرخ أكثر في التجمعات، بل من يملك برنامجا واقعيا، وفريقا كفؤا، وإرادة لتنفيذ التزاماته. كما لا يعنيه من يتقن السخرية من خصومه، بقدر ما يعنيه من يستطيع حماية قدرته الشرائية، وتحسين المدرسة والمستشفى، وخلق فرص العمل، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويتحمل الإعلام والمجتمع المدني والنخب بدورهم مسؤولية تفكيك الخطابات الانتخابية ومقارنة البرامج الجديدة بالالتزامات السابقة، حتى لا تتحول الحملة إلى سوق مفتوحة لبيع الأوهام. المطلوب هو طرح الأسئلة الدقيقة: “ماذا وعد الحزب سنة 2021؟ ماذا نفذ؟ ماذا تعثر؟ ولماذا؟ وما الضمانات التي يقدمها اليوم حتى لا تتكرر التجربة نفسها؟”.
وعلى الرغم من كل مظاهر الإحباط وفقدان الثقة، فإن مقاطعة الانتخابات ليست حلا، لأنها تترك المجال للآلة الانتخابية المنظمة كي تحسم النتائج بأقل عدد من الأصوات. المشاركة الكثيفة هي الطريق الديمقراطي لمحاسبة من أخفق، ومكافأة من أقنع، ومنع التحكم في الاختيارات بواسطة المال أو الولاءات الضيقة أو شبكات المصالح.
إن التصويت ليس شهادة بيضاء لأي حزب، ولا عقدا أبديا مع أي مرشح، بل هو تفويض مؤقت ومشروط بالوفاء بالالتزامات. لذلك، فإن الناخبين مدعوون يوم 23 شتنبر إلى التوجه بكثافة إلى صناديق الاقتراع، والتصويت بحرية على من يرونه مناسباً، بعد فحص الحصيلة والبرنامج والمصداقية، بعيداً عن العواطف والضغوط والهدايا الموسمية.
لقد حان الوقت لينتقل الناخب من موقع المتلقي للوعود إلى موقع صاحب القرار، وأن يفهم كل حزب أن الذاكرة الشعبية ليست قصيرة، وأن من لم يفِ بما وعد به لا يكفيه أن يغير الشعار أو يرتدي قناعاً جديداً. فالديمقراطية لا تُبنى بالورود التي توزع في زمن التحالف، ولا بـ”الحجارة” التي تُرمى في موسم الانتخابات، وإنما بالمسؤولية والوضوح والمحاسبة واحترام عقول المواطنين، والذين لهم مسؤولية جسام في المشاركة بكثافة للتصدي لمن لا ضمير له اتجاه الوطن والمواطن.
ح.ا
