“تراشقات خطيرة” قبل بداية الحملة الانتخابية: من “الإرهاب” إلى “تجار المخدرات” و”المنتجات الفاسدة”.. هل تتحرك النيابة العامة للتحقيق في اتهامات قادة الأحزاب؟

لا تبدو الحملة الانتخابية الخاصة باقتراع 23 شتنبر 2026 شبيهة بسابقاتها، ليس بسبب قوة البرامج أو جودة النقاش السياسي، وإنما بالنظر إلى خطورة الاتهامات المتبادلة بين بعض قادة الأحزاب، وخاصة المنتمين إلى الأغلبية الحكومية، سواء قبل انطلاق الحملة الرسمية يوم 10 شتنبر أو خلال يومها الأول.

فبدلاً من تقديم الحصيلة ومناقشة البرامج والبدائل، انزلق جزء من الخطاب الحزبي إلى تراشق يتضمن اتهامات بالإرهاب والفساد والاستفادة من الصفقات والاتجار في المخدرات وتسويق منتجات غذائية فاسدة. وهي ادعاءات لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد عبارات عابرة تفرضها حرارة الحملة، لأنها، إذا كانت تستند إلى وقائع حقيقية، تستوجب البحث وترتيب الآثار القانونية، وإذا كانت غير صحيحة فقد تثير مسؤولية أصحابها عن نشر اتهامات تمس بسمعة أشخاص ومؤسسات.

وبدأت إحدى أبرز حلقات هذا التصعيد مع التسجيلات المنسوبة إلى رشيد الطالبي العلمي، القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، والتي تحدث فيها عن فوزي لقجع واتهمه بمحاولة ترهيب الحزب، قبل أن يرد لقجع، خلال أحد لقاءاته السياسية، بوصف خصمه بأنه «الإرهابي الحقيقي»، مع اتهامه بالشروع في توزيع المناصب قبل تشكيل الحكومة التي ستفرزها انتخابات 23 شتنبر.

وبصرف النظر عن السياق السياسي الذي صدرت فيه هذه العبارات، فإن استعمال وصف «الإرهابي» ليس أمراً بسيطاً يمكن إدراجه ضمن المناوشات الانتخابية المعتادة. فإما أن يكون المتحدث يتوفر على وقائع تستدعي إحالتها على الجهات المختصة، وإما أن الأمر يتعلق بوصف سياسي بالغ الخطورة جرى استعماله لتصفية الحسابات والتأثير على الرأي العام.

ودخل لحسن السعدي، القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، على خط المواجهة، باتهام حزب الأصالة والمعاصرة بالاستفادة خلال خمس سنوات من «النعيم الحكومي والامتيازات»، متحدثاً عن «فراقشية الألعاب والفرماج الفاسد»، قبل أن يتهم الحزب بمحاولة تقديم نفسه اليوم في صورة المعارض، رغم مشاركته في الحكومة.. الخ!. 

والحديث عن تسويق منتجات غذائية فاسدة للمواطنين، إن كان يستند إلى معطيات دقيقة، لا يدخل في باب السجال الانتخابي فقط، بل يرتبط بالسلامة الصحية والأمن الغذائي، ويفرض تحديد المنتج والشركة والوقائع والجهات المسؤولة. أما إطلاق الاتهام “بصورة عامة” خلال تجمع حزبي، من دون تقديم الأدلة أو إحالة الملف على المؤسسات المختصة، الامر الذي يحول قضية تمس صحة المواطنين إلى مادة للمزايدة السياسية!.

وفي الاتجاه المقابل، اتهم العربي المحرشي، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة،  حزب «الحمامة» بترشيح أشخاص وصفهم بـ”تجار المخدرات” في انتخابات 2026. كما وجه هشام المهاجري، القيادي في الحزب نفسه، اتهامات متعددة إلى لحسن السعدي، ضمن حلقات التصعيد المتواصل بين مكونات الأغلبية الحكومية السابقة.

وهنا يطرح السؤال نفسه: “هل تتوفر القيادات التي تتحدث عن تجار المخدرات والصفقات المشبوهة والمنتجات الفاسدة على ملفات وأدلة؟،  وإذا كانت هذه الأدلة موجودة، فلماذا لم تُعرض على النيابة العامة والجهات الرقابية؟ وإذا لم تكن موجودة، فكيف يُسمح بتحويل المنصات الانتخابية إلى فضاء مفتوح لتوزيع الاتهامات الخطيرة من دون سند أو مساءلة؟

ولم يتوقف التراشق عند حدود الملفات الحزبية، بل امتد إلى كرة القدم وتنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى. فقد دخلت كأس العالم وكأس إفريقيا ضمن المواجهة الكلامية بين عزيز أخنوش وفوزي لقجع، في وقت يفترض فيه التعامل مع هذه الملفات الوطنية بمنطق مؤسساتي مسؤول، بعيدا عن الحسابات الحزبية الضيقة.

إن تنظيم المغرب لكأس العالم 2030، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، مشروع استراتيجي للدولة المغربية، ولا ينبغي الزج به في التجاذبات الانتخابية أو استعماله أداة لضرب الخصوم. فإقحام الأوراش الرياضية الكبرى في الصراع الحزبي قد يشوش على صورة المؤسسات المشرفة عليها، ويمنح الانطباع بأن الملفات الوطنية المشتركة تحولت إلى ملكية سياسية لهذا الحزب أو ذاك.

وخلال لقاء انتخابي بالدار البيضاء، رد فوزي لقجع على اتهامات متداولة بشأن الاعتمادات والصفقات، قائلاً: “هناك من يقول إن لقجع هو الذي يعطي الاعتمادات للصفقات وللفراقشية وغيرها”، قبل أن يضيف: “لعنة الله على الكذابين”.

ويكشف هذا الرد، بما يحمله من غضب وحدة، مستوى الاحتقان الذي بلغته العلاقة بين شركاء اجتمعوا داخل حكومة واحدة ودافعوا لسنوات عن انسجام أغلبيتهم. فكيف انتقلت العلاقة بينهم، في ظرف أسابيع، من الإشادة بالعمل المشترك إلى تبادل الاتهامات بـ”الإرهاب، الفساد ، الفراقشية ، والاتجار في المخدرات؟”

الأمر لم يعد مجرد اختلاف حول البرامج أو تنافس على أصوات الناخبين، بل أصبح متعلقا بادعاءات محددة قد تمس الأمن الغذائي ونزاهة الصفقات والمال العام والجريمة المنظمة، لذلك، فإن ترك هذه التصريحات تمر باعتبارها جزءأ من حمى الانتخابات قد يشجع على مزيد من الانفلات، ويحول الحملة إلى محاكمة مفتوحة بلا قضاة ولا أدلة ولا حقوق للدفاع.

ويملك كل طرف حق الرد والدفاع عن نفسه، كما تبقى جميع الاتهامات مجرد ادعاءات سياسية ما لم تثبتها تحقيقات وقرارات قضائية نهائية. غير أن خطورتها تستدعي من أصحابها تقديم ما يتوفرون عليه من حجج إلى المؤسسات المختصة، كما تستوجب من النيابة العامة والهيئات الرقابية تقييم ما إذا كانت الأقوال المتداولة تتضمن إخباراً عن أفعال قد تكون مخالفة للقانون، أو مجرد اتهامات غير مؤسسة تستهدف النيل من الخصوم.

إن تدخل المؤسسات المختصة، عند توفر الشروط القانونية، لن يكون تضييقا على حرية التعبير أو المنافسة السياسية، بل حماية لنزاهة الانتخابات وحقوق الأشخاص وثقة المواطنين. فمن يتهم غيره بالاتجار في المخدرات أو الإضرار بصحة المغاربة أو التلاعب بالصفقات يجب أن يتحمل مسؤولية كلامه، وأن يقدم الأدلة التي تثبته.

كما أن الأحزاب مطالبة بضبط خطابها، والعودة إلى مناقشة الحصيلة والبرامج والقضايا التي تهم المواطن، بدلاً من تحويل الحملة إلى ساحة لتصفية الحسابات. فالناخب يحتاج إلى معرفة ما ستقدمه الأحزاب في التشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية والحماية الاجتماعية، لا إلى متابعة خصومات شخصية بين وزراء وقيادات تقاسمت السلطة والمسؤولية طوال الولاية الحكومية.

انتخابات 23 شتنبر ينبغي أن تكون مناسبة للمحاسبة الديمقراطية عبر صناديق الاقتراع، لا موسماً لتوزيع التهم. أما الادعاءات المتعلقة بجرائم أو فساد أو تهديد لصحة المواطنين، فمكانها الطبيعي هو مؤسسات التحقيق والقضاء، حيث تُعرض الأدلة وتُضمن حقوق الدفاع، بعيداً عن ضجيج المنصات الانتخابية.

“فيديو” لما قاله لقجع:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.