حرب “الحمامة” و “الجرار”: حين تتحول الحملة الانتخابية من صراع البرامج إلى تبادل الاتهامات الخطيرة.. فالقادم “…!؟”

لم يعد الصراع بين حزبي التجمع الوطني للأحرار ، والأصالة والمعاصرة مجرد تنافس انتخابي عادي على تصدر اقتراع 23 شتنبر 2026، بل تحول تدريجيا إلى مواجهة مفتوحة تتداخل فيها الحسابات الحزبية مع المسؤوليات الحكومية، وتُستعمل فيها اتهامات ثقيلة تتجاوز نقد البرامج والحصيلة إلى التشكيك في الأشخاص والمرشحين، وإثارة ملفات ترتبط بالصحة العامة والمخدرات والعلاقات الدولية ومصالح الدولة.

منذ تصدر التجمع الوطني للأحرار انتخابات 8 شتنبر 2021 وتشكيل الحكومة بمشاركة الأصالة والمعاصرة والاستقلال، ظهر التحالف الحكومي في صورة كتلة سياسية متماسكة، غير أن اقتراب نهاية الولاية وبداية السباق نحو حكومة ما بعد 23 شتنبر كشفا أن الانسجام الذي ميز سنوات التدبير المشترك كان يخفي تنافسا قويا على المركز الأول وعلى قيادة الأغلبية المقبلة.

وتعود أهمية صدارة الانتخابات إلى مقتضيات الفصل 47 من الدستور، الذي ينص على تعيين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي يتصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. لذلك لا يتعلق الصراع بين “الحمامة” و”الجرار” بعدد المقاعد فقط، بل بالجهة التي ستقود المشاورات الحكومية المقبلة وتمتلك موقع المبادرة في تشكيل الأغلبية.

لكن هذا الرهان الدستوري لا يبرر الانزلاق من المنافسة السياسية المشروعة إلى تبادل اتهامات يمكن أن تترتب عنها آثار قانونية ومؤسساتية، فالحملة الانتخابية يفترض أن تكون مجالأ لمقارنة الحصيلة والبرامج والالتزامات، وليس مناسبة لإطلاق ادعاءات تمس الأشخاص أو المؤسسات من دون تقديم الأدلة أو اللجوء إلى الجهات المختصة.

لقد بدأت المواجهة باتهامات متبادلة بشأن استمالة المنتخبين وتغيير الانتماءات الحزبية، قبل أن ترتفع حدتها وتنتقل إلى الحديث عن شبهات ترتبط ببعض المرشحين، حيث أفادت تقارير صحفية بأن القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة العربي المحرشي وجّه اتهامات إلى حزب التجمع الوطني للأحرار بترشيح أشخاص وصفهم بأنهم مرتبطون بتجارة المخدرات، وهي تصريحات دفعت فاعلين سياسيين إلى المطالبة بفتح تحقيق بشأنها.

قانونيا، لا تشكل التصريحات السياسية، مهما كانت خطورتها أو مكانة أصحابها، دليلا قضائيا على ارتكاب جريمة.، فالفصل 23 من الدستور يكرس قرينة البراءة، ولا يجوز اعتبار أي مرشح متورطا في نشاط إجرامي إلا بناء على وقائع ثابتة وقرار قضائي صادر عن جهة مختصة، لكن قرينة البراءة لا تعني تجاهل الاتهامات الخطيرة. فإذا كان صاحب التصريح يتوفر على معطيات جدية أو وثائق بشأن جرائم مفترضة، فإن المسؤولية تقتضي إحالتها على النيابة العامة والجهات الأمنية، بدل الاكتفاء باستعمالها في المهرجانات الانتخابية، أما إذا كانت الاتهامات مجرد وسيلة للإساءة إلى المنافسين والتأثير في الناخبين، فقد تثير مسؤولية صاحبها وفق القواعد المنظمة للقذف والتشهير ونشر الادعاءات التي تمس الشرف والاعتبار.

ولذلك يجب التمييز هنا بين النقد السياسي، الذي تحميه حرية التعبير، وبين نسبة وقائع إجرامية محددة إلى أشخاص أو أحزاب من دون إثبات، فمن حق أي حزب مساءلة منافسه بشأن اختيار المرشحين ومعايير منح التزكيات، لكن وصف أشخاص بأنهم تجار مخدرات أو متورطون في أعمال إجرامية ينقل الخطاب من دائرة الرأي السياسي إلى دائرة الادعاء بوقائع قابلة للتحقق القضائي، فالمسؤولية تقع .

وعلى صاحب التصريح وحده، وبعض وسائل الإعلام التي تعيد نشر الاتهام بوصفه حقيقة ثابتة، اذا لم تستعمل عبارات من قبيل “اتهم” و”ادعى” و”بحسب تصريح”، مع عرض رد الطرف المعني ، وذلك طبقا للقانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر، الذي ينظم المسؤولية عن القذف ونشر الادعاءات الماسة بسمعة الأشخاص،   وتزداد خطورة هذا السجال حين يصدر عن رئيس الحكومة أو عن وزراء ما زالوا يمارسون مسؤولياتهم التنفيذية، فرئيس الحكومة والوزير خلال الحملة الانتخابية يجمعان بين صفتين: “صفة المسؤول العمومي وصفة الفاعل الحزبي”، وقد يكون من الصعب عمليا الفصل بينهما، خصوصا عندما تستعمل المعلومات  المرتبطة بالوظيفة الحكومية في مهاجمة المنافسين.

أما واجب التحفظ، فينبغي تدقيقه قانونيا وعدم استعماله بصورة فضفاضة، حيث ان المادة 17 من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، تلزم أعضاء الحكومة بالتحفظ بشأن مداولات مجلس الحكومة، وهذا يعني أن الحظر القانوني المباشر يتعلق بأسرار المداولات الحكومية، وليس بكل اختلاف سياسي بين الوزراء. لأن التضامن الحكومي والمسؤولية المؤسساتية يفرضان، سياسيا وأخلاقيا، عدم كشف معطيات داخلية أو توظيف ملفات الدولة والحكومة لتصفية الحسابات الحزبية.

وعندما يكشف وزير أو مسؤول حكومي، خلال السجال الانتخابي، معلومات يزعم أنها تتعلق باختلالات داخل قطاع حكومي، يصبح السؤال مشروعاً: “هل سبق له أن أبلغ عنها داخل المؤسسات المختصة؟ وهل مارس صلاحياته الرقابية أو أحال الملف على القضاء؟ أم احتفظ بها إلى حين انطلاق الحملة لاستعمالها ضد خصومه؟”

فالسكوت عن مخالفة مفترضة أثناء تحمل المسؤولية، ثم إخراجها في مهرجان انتخابي، يُضعف صدقية الاتهام وصاحبه معا ، لأن المسؤول العمومي ليس مجرد معلق على الأحداث، بل يتحمل واجب التحرك حين تصل إلى علمه معطيات جدية بشأن أفعال مخالفة للقانون.

وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما يمتد السجال إلى “اتفاقات دولية” أو “ملفات اشتغلت عليها الدولة لسنوات”، أو إلى قضايا مرتبطة “بصحة المواطنين وسلامة المنتوج السياحي والاقتصادي للمملكة”، فالسياسة الخارجية والاتفاقات الدولية والمصالح الاستراتيجية للدولة لا ينبغي تحويلها إلى ذخيرة انتخابية، خصوصا إذا كانت التصريحات غير دقيقة أو قابلة لأن تستعمل خارجيا ضد مصالح المغرب.

وهذا لا يعني تحصين الاتفاقات أو السياسات الحكومية من النقد، فمن حق الأحزاب والمرشحين مناقشتها وتقييم آثارها. لكن النقد المسؤول يختلف عن تقديم معلومات مبتورة ، أو إطلاق اتهامات قد تمس صورة البلاد أو التزاماتها الدولية، وإذا كان رئيس الحكومة أو أحد الوزراء يتحدث عن ملف دولي، فإن صفته المؤسساتية تظل حاضرة، وقد تُفهم تصريحاته في الخارج باعتبارها موقفا صادرا عن الدولة، لا مجرد خطاب انتخابي عابر!.

فالمفارقة العجيبة ، هي أن حزبي “الحمامة” و”الجرار”  شاركا معا في اتخاذ القرارات الحكومية والدفاع عن الحصيلة منذ سنة 2021. وإذا تحول كل طرف اليوم إلى اتهام الآخر بالفشل أو الفساد أو تهديد مصالح المواطنين، فإن السؤال الذي سيطرحه الناخب هو: أين كان الطرف الذي يطلق الاتهامات عندما كانت القرارات تتخذ داخل الحكومة؟، وهل يتحمل مسؤولية مشتركة عن الوقائع التي ينتقدها اليوم؟!.

ولذلك، فقد أظهرت المواجهة الحالية أن الخلاف لم يعد مرتبطا فقط بالترحال السياسي واستقطاب المنتخبين، بل بلغ ما وصفته تقارير إعلامية بـ”معركة كسر العظام” بين قطبي الأغلبية، بعدما انتقلت الاتهامات من البيانات الحزبية إلى تصريحات القيادات والمرشحين.

والسجال الخطير لا يقتصر على صورة الحزبين، بل يمتد إلى ثقة المواطنين في العمل السياسي، فعندما يسمع الناخب أعضاء في حكومة واحدة يتبادلون اتهامات خطيرة بعد خمس سنوات من التدبير المشترك، قد يستنتج أن التحالف لم يكن مبنياً على مشروع منسجم، وإنما على توزيع المواقع والمصالح، و “التفرقيش” وغير ذلك!، وأن الخلاف لم يظهر إلا عندما اقترب موعد إعادة توزيع السلطة.

ومن المرجح أن ينتقل هذا الصراع إلى مرحلة ما بعد 23 شتنبر، سواء تصدر أحد الحزبين النتائج أو فرضت الأرقام عليهما العودة إلى طاولة التحالف، فإذا اضطر “الأحرار” و “الأصالة والمعاصرة” إلى تشكيل أغلبية جديدة معا، فسيكون عليهما تفسير كيفية تجاوز الاتهامات التي تبادلاها. أما إذا افترقا، فقد تتحول تصريحات الحملة إلى ملفات سياسية وقضائية ورقابية مفتوحة، كما سبق قبل 8شتمبر 2021..!.

وفي جميع الحالات، لا ينبغي انتظار ما بعد الانتخابات للتحقق من الادعاءات ذات الطبيعة الجنائية. فالجهات المختصة مدعوة، متى توفرت عناصر جدية، إلى فحصها بصورة مستقلة، حماية لسمعة الأشخاص الذين قد يكونون ضحايا اتهامات غير مؤسسة، وحماية للمجتمع إذا تبين أن الوقائع المبلغ عنها صحيحة.

إن الديمقراطية لا تخشى المنافسة الحادة، لكنها ترفض تحويل الحملات إلى محاكم سياسية تصدر فيها الأحكام من فوق المنصات، ومن يملك دليلا على جريمة فمكانه القضاء، ومن يملك بديلا سياسيا فمكانه النقاش العمومي، أما الخلط بين الأمرين فلا ينتج برنامجا ولا يعيد الثقة، بل يسيء إلى الأحزاب والمؤسسات ويزيد الفجوة بين المواطن والعمل السياسي، ولله في خلقه شؤون.

ح.ا

 

التعليقات مغلقة.