لم تمض سوى أيام قليلة على إعلان الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، حتى كشفت موريتانيا عن مشروع صناعي ضخم مع المغرب، يمتد على مساحة 800 هكتار، مع منح الشركات المغربية أولوية لإقامة مشاريع داخله. ويطرح تزامن الحدثين سؤالا سياسيا لافتا: هل يثير التقارب المتسارع بين الرباط ونواكشوط غضب النظام الجزائري، أم إن المصالح الاستراتيجية ستفرض على الجزائر التعامل معه بواقعية؟
وكانت الجزائر قد أعلنت، في 10 شتنبر 2026، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، متهمة أبوظبي بالقيام بما وصفته بـ«أعمال استفزازية وعدائية»، من دون تحديد واقعة بعينها. كما استدعت السفير الإماراتي وأمهلته 48 ساعة للمغادرة، قبل الإعلان عن إغلاق المجال الجوي أمام الطائرات الإماراتية المسجلة، مع استثناء مؤقت للرحلات التجارية إلى نهاية السنة. وردت الإمارات بالتعبير عن أملها في أن يكون القرار الجزائري مؤقتا. رويترز
وتأتي الأزمة في سياق تراكم خلافات بين البلدين، ترتبط بتباين مواقفهما من عدد من الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، والعلاقات مع إسرائيل، والتنافس المتزايد في منطقة الساحل. وتدعم الإمارات سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، كما افتتحت قنصلية عامة لها في مدينة العيون، في حين تواصل الجزائر دعم جبهة البوليساريو.
وبالتزامن مع هذه التطورات، أعلن المدير العام للصناعة بوزارة المعادن والصناعة الموريتانية، الشيخ سيدي محمد ولد أحمدو، خلال مشاركته في الدورة الرابعة عشرة للمعرض الدولي للمناولة والتكنولوجيات الصناعية «SISTEP IMME» بالدار البيضاء، أن المغرب وموريتانيا يعملان على إنشاء منطقة صناعية مشتركة تمتد على 800 هكتار.
وأوضح المسؤول الموريتاني أن الشركات المغربية ستحظى بالأولوية لإقامة مشاريع داخل المنطقة المرتقبة، وستستفيد من الحقوق نفسها الممنوحة للشركات الموريتانية، كما لن تُعامل استثماراتها باعتبارها استثمارات أجنبية. وأضاف أن المشروع سيوفر منفذا إلى الأسواق الأوروبية عبر المغرب، فيما جرى تقديم المنطقة باعتبارها مرشحة لتصبح الأكبر من نوعها في إفريقيا. ولم يُعلن، حتى الآن، عن موعد إنجازها أو حجم الاستثمارات المرصودة لها.
ويكشف المشروع عن انتقال العلاقات المغربية الموريتانية من مرحلة التعاون التجاري التقليدي إلى بناء شراكة صناعية أكثر عمقا، تقوم على الإنتاج المشترك واستقطاب الاستثمارات وربط الأسواق الإفريقية والأوروبية. كما يمنح الشركات المغربية موقعا متقدما داخل الاقتصاد الموريتاني، ويفتح أمامها فرصا جديدة في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.
غير أن قراءة هذا التطور باعتباره مقدمة حتمية لقطيعة بين الجزائر ونواكشوط تبدو متسرعة. فموريتانيا تعتمد منذ سنوات سياسة تقوم على التوازن في علاقاتها مع القوتين المغاربيتين، وتحاول تطوير تعاونها الاقتصادي مع المغرب من دون الدخول في مواجهة دبلوماسية مع الجزائر.
وتملك الجزائر بدورها مصالح استراتيجية كبيرة في موريتانيا تجعل خيار القطيعة مستبعدا في المرحلة الحالية، من بينها طريق تندوف–الزويرات، والمنطقة الحرة والمركزان الحدوديان، فضلا عن ارتفاع المبادلات التجارية بين البلدين. وفي أبريل 2026، ترأس البلدان الدورة العشرين للجنة المشتركة الكبرى ووقعا أكثر من عشرين اتفاقا، في مؤشر على حرصهما على توسيع الشراكة الثنائية.
وبذلك، تختلف الحالة الموريتانية عن الأزمة الجزائرية الإماراتية. فنواكشوط دولة مجاورة للجزائر، وتمثل بوابة استراتيجية لها نحو غرب إفريقيا والمحيط الأطلسي، كما أن الحفاظ على علاقات مستقرة معها يشكل جزءا من حسابات الجزائر الأمنية والاقتصادية في منطقة الساحل.
ومع ذلك، قد يثير منح الشركات المغربية وضعا تفضيليا داخل المنطقة الصناعية الجديدة انزعاجا لدى دوائر القرار في الجزائر، خاصة إذا تحول المشروع إلى منصة واسعة لترسيخ الحضور الاقتصادي المغربي في موريتانيا وغرب إفريقيا. لكن هذا الانزعاج، إن حدث، قد يترجم إلى محاولة تعزيز الاستثمارات الجزائرية وتسريع المشاريع الثنائية، وليس بالضرورة إلى قطع العلاقات.
إن السؤال الحقيقي، إذن، ليس ما إذا كان نظام الرئيس عبد المجيد تبون سيقطع علاقاته مع نواكشوط، بل ما إذا كانت الجزائر ستقبل بحق موريتانيا في تنويع شراكاتها، أم ستتعامل مع كل تقارب اقتصادي مع المغرب بمنطق الاصطفاف والخصومة.
وحتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية على توجه الجزائر نحو أزمة دبلوماسية مع موريتانيا بسبب المشروع الصناعي المشترك مع المغرب. والأرجح أن نواكشوط ستواصل سياستها القائمة على التوازن، مستفيدة من التنافس المغربي الجزائري لجذب الاستثمارات وتطوير بنياتها الاقتصادية، من دون التحول إلى طرف مباشر في الصراع الإقليمي.
