التصريح الحكومي يغيب خلف “السجال السياسي”.. حين تتحول قبة البرلمان إلى ساحة لتصفية الحسابات..!

كان المنتظر من جلسة مجلس النواب المخصصة لمناقشة البرنامج الحكومي والتصويت عليه أن تفتح نقاشا عميقا حول أولويات المرحلة، وقدرة الحكومة على تحويل التزاماتها إلى إجراءات ملموسة، فالمواطن الذي يتابع هذه المحطة يريد معرفة ما ينتظره في التشغيل والصحة والتعليم والسكن والقدرة الشرائية، وكيف ستواجه الحكومة التفاوتات الاجتماعية والمجالية، وبأي موارد وآجال ومؤشرات للمحاسبة.

غير أن السجالات التي تخللت المناقشة أعادت طرح سؤال بشأن طبيعة الخطاب داخل المؤسسة التشريعية: “هل يتنافس الفاعلون السياسيون في تقديم الأجوبة، أم في إحراج بعضهم واستدعاء خصوماتهم القديمة؟، وهل يظل البرنامج الحكومي محور المساءلة، أم يتحول إلى مناسبة لتجديد مواجهة حزبية على حساب انتظارات المواطنين؟!”

وهذه الجلسة تكتسب أهميتها من كونها تكشف، في بداية الولاية، طبيعة العلاقة التي ستجمع الحكومة بأغلبيتها ومعارضتها. وهي فرصة لتوضيح الاختيارات، وتحديد مواطن الاتفاق والخلاف، وتمكين الرأي العام من التمييز بين الوعود العامة والالتزامات القابلة للتنفيذ، ومن الطبيعي أن تكون المناقشة حادة، وأن تتباين خلالها المواقف، فالبرلمان فضاء للاختلاف والمواجهة السياسية، لكن الحدة تصبح مفيدة عندما تتعلق بالأرقام والسياسات والنتائج، وتفقد قيمتها حين تنصرف إلى “التجريح” أو استحضار الماضي من دون صلة واضحة بالمسؤولية موضوع النقاش.

كان الأجدر أن تتركز المواجهة على الإجراءات العاجلة، ومصادر التمويل، وما ستغيره الحكومة في السياسات السابقة، وكيف ستقاس نتائجها. أما حين تحتل الاتهامات المتبادلة الواجهة، فإن هذه الأسئلة تتراجع، ويضيع على المواطنين جزء من حقهم في المعرفة والمساءلة.

وفي هذا السياق، أعاد السجال بين رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، وفريق حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة، ثقل العلاقة المتوترة تاريخيا بين هذا الحزب وحزب الأصالة والمعاصرة، وبدا أن ذاكرة المواجهة الحزبية ما تزال تلقي بظلالها على النقاش، بما يفتح المجال أمام تبادل الاتهامات بدل اختبار مضمون البرنامج المعروض.

ومن حق رئيس الفريق المعارض أن يطرح أسئلة محرجة، وأن ينتقد اختيارات الحكومة وتشكيلتها وخطابها، لكنه يتحمل مسؤولية توجيه النقد إلى الوقائع والسياسات، وتجنب العبارات التي تختزل المناقشة في “الاستفزاز الشخصي” أو “التشكيك” في النيات. كما أن من حق رئيسة الحكومة الرد والدفاع عن اختياراتها، غير أن موقعها يفرض عليها مسؤولية إضافية في ضبط إيقاع المواجهة والارتقاء بها.

فرئيسة الحكومة تتحدث من موقع المسؤولية عن تدبير شؤون جميع المغاربة، بمن فيهم من لا يتقاسمون معها الانتماء أو الرأي، وقوة ردها تقاس بقدرتها على تفكيك حجة الخصم، وتوضيح الاختيار الحكومي، وتقديم المعطيات التي تسمح بتقييمه، أما الانجرار إلى حسابات الماضي، فقد يمنح صاحبه تصفيقأ آنيا، لكنه يترك سؤال البرنامج من دون جواب، ويضعف الصورة التي ينبغي أن تقدمها الحكومة في لحظة تأسيسية من ولايتها.

ويزداد الأمر حساسية عندما تدخل مفاهيم من قبيل “الإسلام” و “الصهيونية” و”التحكم !” في السجال، فهذه مفاهيم ذات حمولة دينية وسياسية وتاريخية، واستعمالها يقتضي تحديد المقصود منها، والوقائع التي تستند إليها، وصلتها بالموضوع المطروح، ولا يصح إطلاقها بوصفها أدوات جاهزة لإدانة الخصوم أو التشكيك في مواقفهم.

فالانتماء إلى مرجعية دينية، لا يعفي أي حزب من المساءلة عن حصيلته واختياراته، كما أن الاختلاف معه لا يبرر تحويل النقاش إلى تشكيك في الدين أو في قناعات المواطنين، وبالمثل تستوجب القضايا المرتبطة بـ”الصهيونية” والسياسة الخارجية، نقاشا دقيقا يحدد القرارات والمسؤوليات، بعيدا عن الاتهامات الفضفاضة. أما الحديث عن “التحكم”، فإذا تعلق بوقائع محددة، فإن مناقشته تقتضي عرض الأدلة وتحديد المسؤوليات، لأن تكراره كشعار متبادل يزيد الالتباس ويحجب حقيقة الخلاف.

وتكمن خطورة هذه اللغة في أنها تنقل النقاش من تقييم أفعال المسؤول السياسي إلى محاكمته في هويته وولائه ونياته. وعندها يغدو الاختلاف خصومة أخلاقية مفتوحة، ويصعب الوصول إلى نقاش منتج، حتى في القضايا التي تتطلب توافقا أو تعاونا بين مختلف المكونات.

وامتد السجال، بحسب الوقائع المعروضة، إلى “أحداث الريف سنة 2017″، وما قال  النائب الصابري حول مسؤولية رئيس حكومة سابق من العدالة والتنمية الذي اشرف على توقيع وثيقة اعتبرها متضمنة تخوينا لساكنة المنطقة، وهو اتهام بالغ الحساسية، يقتضي الرجوع إلى أصل الوثيقة وتاريخها والجهات الموقعة عليها وألفاظها الدقيقة، قبل إصدار الأحكام أو تعميم المسؤوليات!.

فهناك فرق بين اتهام منطقة وسكانها، وبين توصيف أحداث أو مواقف أو أشخاص، كما أن تحميل المسؤولية السياسية يستوجب تحديد دور كل طرف استنادأ إلى الوقائع، ولا يستقيم أن يبقى اتهام بهذه الخطورة معلقأ في فضاء السجال من دون عرض مستنداته وإتاحة الرد عليه، فإذا كان الهدف مساءلة موقف سابق، وجب تقديمه بدقة ومناقشته بجدية، أما توظيفه لإحراج حزب منافس، فيخاطر بإعادة فتح جرح يفترض أن يكون موضوع إنصاف ومعالجة.

فالريف جزء أصيل من الامة المغربية، وكرامة ساكنته من كرامة المواطنين جميعا. واستحضار أحداثه ينبغي أن يخدم فهم الأسباب، وتقييم السياسات العمومية، وتحقيق التنمية وتعزيز الثقة، مع احترام الحقوق وتحديد المسؤوليات. ولا يجوز اختزال مطالب السكان وتجاربهم في ورقة ضمن مواجهة بين فريقين نيابيين.

ويتحمل الفريق الذي يقود الأغلبية الحكومية مسؤولية خاصة في تقديم خطاب يساعد على بناء الثقة، ويربط استحضار الماضي بما تقترحه الحكومة لمعالجة اختلالاته، فالمواطنون ينتظرون معرفة ما تغير في المقاربة، وما الذي سيمنع تكرار أسباب الاحتقان، وكيف ستصل ثمار التنمية إلى المناطق التي تعاني التهميش وضعف الخدمات.

وفي ظل التحديات الخارجية التي تواجه المغرب، تصبح الدقة والمسؤولية في الخطاب العمومي أكثر إلحاحا، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالوحدة الترابية والتماسك الوطني، فقد تقتطع عبارات من سياقها، أو تقدم باعتبارها مواقف رسمية، أو تستغل لإظهار المجتمع في صورة الانقسام. ومواجهة هذا الاحتمال تبدأ بخطاب واضح ومنصف، يتجنب التعميم والتخوين، ويستند إلى الوقائع.

ولا يتعارض التلاحم الوطني مع المعارضة والاحتجاج والنقد، بل يقوى حين يشعر المواطن بأن كرامته محفوظة، وأن مطالبه تسمع، وأن المؤسسات قادرة على مناقشة أخطائها ومعالجتها. ولهذا فإن الدفاع عن صورة البلاد يمر أيضاً عبر تحسين أداء مؤسساتها وخطاب ممثليها، وتعزيز الثقة بين المواطن والسلطة.

ولا تتحمل جهة واحدة وحدها مسؤولية انحراف النقاش عن موضوعه، فالأغلبية مطالبة بالدفاع عن البرنامج وشرح جدواه، والمعارضة مطالبة باختبار مضمونه وكشف نواقصه واقتراح البدائل، ورئاسة المجلس مطالبة بضمان احترام قواعد المناقشة والتدخل عند الانزلاق إلى التجريح أو التعميم، مع صيانة حق المتدخلين في التعبير والاعتراض.

وتتحمل الأحزاب بدورها مسؤولية تأطير ممثليها، لأن المداخلة البرلمانية موقف يصدر عن منتخب يمثل المواطنين، ويسهم في رسم صورة الحزب والمؤسسة والحياة السياسية برمتها. كما يقع على الإعلام واجب نقل الوقائع في سياقها، والتحقق من الاتهامات، وتجنب اختزال الجلسات في المقاطع الأكثر إثارة، فالمواطن يحتاج إلى معرفة ما قيل، وما يستند إليه، وما أجابت عنه الحكومة، وما بقي من دون جواب.

إن تكرار المواجهات التي تنتهي من حيث بدأت قد يعمق شعورأ بأن الفاعلين السياسيين منشغلون بخلافاتهم أكثر من انشغالهم بالحياة اليومية للناس. وهذه خسارة تمس الثقة في العمل السياسي وفي قدرة المؤسسات على الاستجابة.

فالبرلمان يمثل الأمة من طنجة إلى الكويرة، وتحت قبته ينبغي أن تجد مختلف مناطق المغرب وفئاته صوتا يحترمها ويدافع عن مصالحها. ورئاسة الحكومة مسؤولية تقتضي مخاطبة جميع المغاربة، وتقديم المصلحة العامة كلما تعارضت مع إغراء الرد الحزبي.

ما ينتظره المغاربة هو حكومة توضح ما ستنجزه، ومعارضة تدقق وتراقب، وأغلبية تتحمل مسؤولية اختياراتها. أما خلافات الماضي، فلا تستحق أن تشغل حيزاً من النقاش إلا بقدر ما تساعد على كشف الحقيقة، وتصحيح الأخطاء، ومنع تكرارها.

ح/ا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.