الموظف حلوب… لكن من يمسك الضرع ومن يدفع ثمن الحليب؟!

رضا البوكيلي: ينقبض الصدر وتضيق الأنفاس وأنت تطالع تصريحات تسعى لإقناعنا بأن الجامعات العمومية المغربية تكابد خطر التحول إلى “بقرة حلوب”، وكأن المؤسسات التي ترعرعت على كاهل المال العام وتغذت من ميزانية الدولة باتت بين عشية وضحاها رهينةً لحسابات الربح والخسارة.
حين يرتفع سقف رسوم “التوقيت الميسر” ليبلغ عشرين ألف درهم سنويا في سلك الدكتوراه، وخمسة عشر ألفا في الماستر، تتهاوى التبريرات أمام حقيقة بسيطة لا تقبل الجدل: هذا الموظف الذي يُطالب اليوم بأداء هذه الإتاوات، هو نفسه المواطن الذي تؤدي ضرائبه بانتظام من منبع أجره، باقتطاعات مباشرة وموجعة لا تعرف التهرب.
وعليه نؤكد، أن مجانية التعليم العالي ليست منّة ولا هبة، بل هي حق دستوري أصيل أُسست له خزينة الدولة من عرق الأجير الدافع للضريبة، فلماذا يُطالب بالأداء مرتين؟
أولا- مغالطة “القطاع الخاص” وسعر “الحليب”
تستوقفنا المقارنة السريالية التي تسوقها الأوساط الرسمية، حين تستغرب كيف يقبل موظف دفع مبالغ شهرية لتمدرس أبنائه في مؤسسات خاصة ويرفض دفعها لجامعته العمومية!
* بداية نسأل؛ عن أي نسبة تتحدثون؟ كم يبلغ عدد هؤلاء الموظفين مقارنة بالسواد الأعظم المنشور في سلم الأجور السفلى؟
* ثم، إذا اضطر مواطن تحت إكراهات واقع معين لشراء خدمة خاصة رغم وجودها عموميا، هل يعني ذلك ضمنا التزاما أبديا بشراء كل الخدمات العمومية مستقبلا؟ أم أن الخطوة القادمة هي خوصصة باقي المرافق العامة تدريجيا وتحويلها بالكامل إلى دكاكين استثمارية؟
ثم إن منطق “الأداء مقابل الخدمة” المنفعي يفتح باباً بلاغيا طريفا؛ فبما أننا دخلنا منطق السوق واستعارة “البقرة”، فإن سعر الخدمة يفترض أن يخضع لمعادلة العرض والطلب وتنويع الجودة كسعر الحليب تماما! لكن الواقع يقول إننا سنُجبر على دفع أسعار مضاعفة مقابل “حليب منزوع الدسم” – إن وجد – في ظروف متهالكة، ونُطالب بالتعامل مع خدمات أكاديمية بذات الأسعار أو أغلى من التكلفة الكاملة القديمة.
ثانيا، من جفّ ضرعه.. ومن استأثر بالزبدة؟
إن أشد ما يبعث على التأمل في هذا السجال، أن عدداً غير يسير من المسؤولين الوزاريين والجامعيين الحاليين، ممن يدافعون اليوم عن منطق التسليع المالي، قد نهلوا في بدايات مساراتهم المهنية من نفس الخدمة الجامعية بالمجان، وهم موظفون! ، بل وكانوا يفاخرون في سيرهم الذاتية بقيم التوفيق بين الوظيفة والدراسة والجهد العصامي.
هل كان ضرع الجامعة حينها يسقي حليبا حلالاً مصفى لهؤلاء، حتى إذا شبعوا ونالوا من زبدتها ولبنها وركبوا مناصبهم، التفتوا ليخبروا من خلفهم أن “الجامعة ليست بقرة حلوباً”؟ أها! هل جفّ الضرع فجأة أم إن ما بقي من حليب بات حصرياً ملكية خاصة، والبقرة بقرتهم ولا يحق لغيرهم الاقتراب منها؟
ثالثا، الهشاشة القانونية والإجبار القسري..
أما من الناحية المسطرية والتنظيمية، فالحقيقة الناصعة هي أنه لا يوجد نص قانوني يُلزم بهذه الرسوم؛ إذ لا يجوز فرض أي رسم أو استخلاصه لصالح مؤسسة عمومية إلا بموجب قانون صريح. وما يتم الاستناد إليه اليوم لا يعدو أن يكون مجرد “توصية” صادرة عن مجلس رؤساء الجامعات، تُفرغ مبدأ مشروعية الجباية من محتواه.
ويزداد الأمر غرابة حين نعلم أن القانون 59.24 الذي ينص بوضوح على خيار الإمكانية والإيجاب (الترخيص والإختيارية)، غير أن الواقع الفعلي يشهد بإلزام الموظفين رغما عن أنفهم بالتسجيل في مسالك “التوقيت الميسر”.
* فحتى الموظف الذي يعمل بنظام مرن، أو ليلاً، أو عن بُعد، أو يملك ترخيصاً صريحاً يتيح له متابعة دراسته في التوقيت العادي دون أن يُخلّ بوظيفته، يُواجه برفض صارم ويقال له: “لا.. نحن نريدك حتماً في التوقيت الميسر!”
وحتى الشعار المستهلك حول تكفل الجامعات بمصاريف دراسة موظفيها، أثبتت التجربة أنه مجرد ذر للرماد في العيون؛ إذ تُمارس سلوكيات إقصائية شتى لتصفيتهم: من الاستبعاد في اللوائح النهائية، إلى تقليص الأعداد المستفيدة وفق شروط مجحفة، دون حتى مراعاة إعفاء الفئات ذات الدخل الأدنى أو حائزي الحد الأدنى للأجور.
رابعا، “ميسر” لمن؟ 
عن أي “تيسير” يحدثنا هؤلاء حين تضع مؤسسات استعمالات زمن تمتد من الإثنين إلى الأحد، ومن الثامنة صباحاً إلى الثامنة مساءً؟ هل هذا التوقيت ميسر للموظف المطحون أم هو توقيت ميسر لمالية الوزارة والجامعة لاستخلاص المبالغ وإرهاق الأجير؟ وإذا كان الغرض الشكلي هو تنظيم المسارات، فلماذا تم إقحام الطلبة المتفرغين وإجبارهم على التباري في ذات المسالك، لتغيب المعايير وتتشابك الرؤى؟
وزاد الطين بلة أن السيد الوزير خرج ليتبجح بانخفاض نسبة الاكتظاظ بـ 30% بعد فرض هذه الرسوم! وكأن الحل العبقري لإصلاح المنظومة ليس بناء المركبات الجامعية، وتوفير الموارد البشرية والمادية، وتحسين جودة  التأطير… بل طرد المرتفقين، والحجر القسري على ضرع البقرة!
ونؤكد مرة أخرى، أن ما يجري اليوم يكشف حقيقة جلية: الخوصصة والتسليع دخلا هذه المرة من بوابة الموظف، لكن القطار لن يتوقف عنده قطعاً. فالمخطط القديم الجديد، الذي يعود لشعارات من قبيل “اللي بغا يقري ولادو يضرب على جيبو” كما صرح مسؤول سابق، يستهدف تدريجيا البنية بأكملها حتى يُطَبَّع المجتمع مع المنطق التجاري في كل مؤسسة عمومية؛ وفي قطاع الصحة خير مثال وشاهد على ما ينتظر باقي الخدمات العامة!
في الأخير، الموظف ليس كائناً آليا منزوع الحقوق، يكد بعرق جبينه في عمله في كل المؤسسات والمرافق خدمة للمرتفق، والدافع الأول لضرائب هذا الوطن. وحين تتحول الجامعة العمومية إلى سوق للخدمات المؤدى عنها خارج أطر القانون الدستوري، يصبح من حق هذا الموظف أن يصرخ بصوت عالٍ: لقد جف ضرع الصبر، وما بقي في الجيب هو حق كفله الدستور وواجب على الدولة أن تصونه لا أن تبيعه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.