يأتي بيان وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية في سياق إقليمي بالغ الحساسية، بعد تطورات دراماتيكية تمثلت في مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وتصاعد المواجهة العسكرية التي أعقبت ذلك، بما في ذلك ضربات إيرانية استهدفت مواقع في منطقة الخليج.
وفي خضم هذا المشهد المرعب، اختارت الجزائر صياغة بيان دبلوماسي “شديد التحفظ”، يتجنب الإشارة الصريحة إلى الطرف الذي تتضامن معه، مكتفية بالتعبير عن “تضامنها الكامل مع الدول العربية الشقيقة التي طالتها اعتداءات عسكرية”، والدعوة إلى وقف التصعيد وتغليب الحوار!.
هذا الاسلوب اللغوي ليس “اعتباطيا”، بل يعكس تموقعه في”منطقة رمادية بين الاتزامات السياسية مع ايران، وعلاقات “متذبذبة”مع دول الخليج، وخاصة التوتر الأخير مع دولة الامارات العربية من جهة، وحسابات التوازن الإقليمي والضغوطات الدولية ، وخاصة منها الولايات المتحدة الامريكية، ورئيسها دونالد ترامب، الذي جعل من هذه السنة 2026، سنة السلم والقضاء على “المنظمات” التي تهدده من جهة أخرى”
فالجزائر، التي حافظت خلال السنوات الماضية على مستوى متقدم من التنسيق السياسي مع طهران، خاصة في ملفات إقليمية ذات حساسية، تجد نفسها اليوم أمام اختبار معقد!، ” كيف تحافظ على خطابها التقليدي المناهض للتدخلات الأجنبية، دون أن تظهر بمظهر الداعم لعمليات عسكرية تستهدف دولاً عربية خليجية؟ وكيف توازن بين علاقاتها مع إيران وبين حرصها على عدم الاصطدام المباشر بالولايات المتحدة أو إسرائيل في لحظة توتر قصوى؟.
والبيان يعكس هذا “التخوف” بوضوح، فهو يتحدث عن “اعتداءات عسكرية” دون تسمية الفاعل، ويؤكد “التضامن مع الدول العربية الشقيقة” دون تحديد طبيعة الاعتداء أو مصدره، كما يشدد على الوقف الفوري للتصعيد دون توزيع مسؤوليات..!.
هذه الصياغة الملتبسة تمنح الجزائر هامشا واسعا للمناورة، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام قراءات متعددة، بعضها قد يرى فيها محاولة لتفادي إغضاب العواصم الخليجية في ظرف دقيق، وبعضها الآخر قد يقرأها كرسالة موجهة إلى واشنطن وتل أبيب بأن الجزائر ليست طرفاً في أي محور عسكري!، كما تداولها حول دعمها لـ “البوليساريو” لمدة 50 سنة، انضافت اليها ايران من خلال حزب الله، وأنها تلتزم بخطاب دبلوماسي يدعو إلى “التهدئة” بما يعني ان جنرالات الجزائر اصبحوا بين حيص بيص..
واللافت ايضا، أن البيان لم يتضمن أي إشارة إلى اغتيال خامينئي رفقة قيادات سامية، وهذا الصمت يعكس إدراكاً جزائرياً لحجم التحول الذي أحدثه اغتيال خامنئي في موازين القوى، وخطورة الانجرار إلى خطاب قد يُفهم على أنه اصطفاف في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة في الوضع الراهن من هذه السنة 2026!.
غير أن هذا التوازن “الدقيق”قد يعرّض الجزائر لانتقادات من اتجاهين متعاكسين: من جهة، قد ترى بعض الأوساط أن البيان يعكس قدراً من البراغماتية المفرطة أو “الحياد الانتقائي”، ومن جهة أخرى قد يعتبره خصومها دليلاً على محاولة النأي بالنفس حين تتصاعد الكلفة السياسية لأي اصطفاف واضح، وبين هذين التقييمين، يبدو أن الدبلوماسية الجزائريةاختارت الرهان على “الغموض المفضوح!”، باعتباره أداة لتفادي الانزلاق إلى معادلة “صفرية” في لحظة إقليمية قابلة للانفجار.
البلاغ:
ح/ا
.