الحرب في الشرق الأوسط .. إمدادات الطاقة في مرمى النيران..!

مع استمرار الحرب الدائرة رحاها بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، امتدت التداعيات الاقتصادية لهذه المواجهة العسكرية الأعنف في الشرق الأوسط منذ سنوات، من ميادين المعارك إلى قلب الاقتصادي العالمي، لاسيما مع استهداف البلدان المصدرة للطاقة وتعطل أحد أهم الممرات التجارية في العالم وهو مضيق هرمز.
تزايدت حدة المواجهة العسكرية وتوسع نطاقها مع توالي الضربات الانتقامية التي باتت تستهدف على نطاق واسع المنشآت الحيوية في المنطقة، ما أسفر عن تعطل إنتاج النفط والغاز وإغلاق منشآت تصدير، وتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل نفط يوميا.
وشهدت أسواق النفط العالمية صدمة قوية خلال الأسبوع الأول من الحرب، حيث قفزت الأسعار إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2023 مسجلة ارتفاعا بنسبة 30 في المائة، ثم إلى 110 دولار للبرميل في مستهل الأسبوع الثاني من الحرب، معززة المخاوف بشأن قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود أمام ارتفاعات قياسية محتملة ي رجح المحللون أن تصل إلى 150 دولار للبرميل، لاسيما مع دخول الحرب منعطفا خطيرا.
وتحسبا لهذا السيناريو، قال الوزير القطري لشؤون الطاقة إن الحرب في الشرق الأوسط قد “تؤدي إلى انهيار اقتصادات العالم”، متوقعا أن تضطر جميع الدول الخليجية المصدرة للطاقة إلى وقف الإنتاج خلال أسابيع، بما قد يدفع سعر النفط إلى 150 دولارا للبرميل.
وتابع الكعبي أن هذا الوضع “سيؤدي إلى انهيار اقتصادات العالم”، محذرا من إنه “إذا استمرت هذه الحرب بضعة أسابيع، فسيتضرر نمو الناتج المحلي الإجمالي عالميا، وسترتفع أسعار الطاقة على الجميع”.
وجاء هذا التحذير بعد إعلان شركة “قطر للطاقة” التي توفر نحو 20 في المائة من الغاز الطبيعي المسال في العالم حالة “القوة القاهرة” في 4 مارس الجاري، ووقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال، ووقف إنتاج بعض منتجات صناعاتها الكيماوية والبتروكيماوية والتحويلية، بسبب هجوم عسكري إيراني على مرافقها التشغيلية في مدينتي راس لفان ومسيعيد الصناعيتين.
وقال الوزير القطري لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية إن عودة قطر إلى وتيرة التسليم المعتادة ستستغرق “من أسابيع إلى أشهر” حتى لو توقفت الحرب فورا، مضيفا أن “أوروبا ستتألم بشدة مع مزايدة المشترين الآسيويين على أي كميات غاز مسال متاحة في السوق، ومع عجز دول خليجية أخرى عن الوفاء بالتزاماتها التعاقدية”.
وأضاف قائلا “نتوقع ممن لم يعلن القوة القاهرة أن يفعل ذلك في الأيام القليلة المقبلة إذا استمر هذا الوضع، فكل المصدرين في منطقة الخليج سيضطرون إلى إعلان القوة القاهرة، وإذا لم يفعلوا، فسيجدون أنفسهم في مرحلة ما أمام مسؤولية قانونية عن ذلك”.
وبالفعل، فقد أعلنت مؤسسة البترول الكويتية، في 7 مارس، تفعيل حالة القوة القاهرة في ظل التطورات الأمنية المتصاعدة في المنطقة، وذلك بعد أن أعلنت في وقت سابق خفضا احترازيا في إنتاج النفط وعمليات التكرير، على خلفية الاعتداءات الإيرانية والتصعيد العسكري في المنطقة.
وفي غضون ذلك، قالت شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) إنها تدير مستويات إنتاج النفط في الحقول البحرية للحفاظ على “المرونة التشغيلية”. وقد اندلع حريق بسبب سقوط حطام بميناء الفجيرة الإماراتي، وهو مركز رئيسي لتخزين النفط وتزويد السفن بالوقود على مستوى العالم.
كما اضطر العراق، وهو ثاني أكبر منتج في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) إلى خفض إنتاجه بمقدار 1.5 مليون برميل يوميا بسبب محدودية سعة التخزين وعدم وجود منفذ للتصدير، فيما أوقفت عدة شركات في إقليم كردستان الإنتاج في حقول تابعة لها بشكل احترازي.
بدورها أوقفت السعودية، أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم، الإنتاج في مصفاة رأس تنورة التي تبلغ طاقتها الإنتاجية 550 ألف برميل يوميا، وبدأت في إعادة توجيه شحنات النفط الخام من الموانئ الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر، وذلك عقب تعرض المصفاة لهجمات كان آخرها في الرابع مارس دون أن يخلف أي أضرار.
ولا يشي مسار التصعيد في المنطقة ببوادر عودة وشيكة للإمدادات وذلك في أعقاب التهديد الإيراني، أول أمس الأحد، باستهداف منشآت نفطية في المنطقة، ووسط قلق متزايد من تحول اضطرابات الطاقة إلى موجة أوسع تضغط على الأسواق وتزيد من كلفة الطاقة خلال الفترة المقبلة، مما قد يؤدي إلى موجة تضخم جديدة وضغوط أكبر على الحكومات والبنوك المركزية حول العالم.
ولأن السوق محكوم بهاجس الخوف أكثر من منطق الأرقام، فقد بدأ بالفعل عملية إعادة تسعير شاملة للمخاطر، بحيث لا تعتمد الأسعار الحالية على الواقع القائم فحسب، بل تضع في الحسبان كل الاحتمالات المستقبلية القاتمة. وهي الاحتمالات التي أدت بالفعل إلى ارتفاع مهول في أقساط التأمين البحري لتغطية مخاطر الحرب تجاوز في بعض الحالات نسبة 1000 في المائة.
وبينما لا تمثل الأسعار الحالية أسوء السيناريوهات التي تنطوي عليها التوترات الجيوسياسية وتأثيراتها على سلاسل توريد الطاقة وتكلفتها في السوق، إلا أن العالم يشهد اليوم أحد أكبر الاضطرابات في أسواق الطاقة العالمية، ليعيد من جديد طرح السؤال الأهم وهو إلى متى ستستمر هذه الحرب الشرسة؟
سؤال يجيب عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في منشور على منصة (تروث سوشال) قائلا إن “ارتفاع الأسعار في الوقت الحالي يعد ثمنا مقبولا في ظل الحرب”، مضيفا أن “أسعار النفط على المدى القصير، والتي ستنخفض بسرعة ما إن ينتهي تدمير التهديد النووي الإيراني، هي ثمن بخس جدا ندفعه من أجل سلامة وأمن الولايات المتحدة والعالم”.
وعن أمد الحرب ذاتها، قال ترامب في تصريحات صحفية أمس الاثنين إن الحرب الإيرانية “انتهت إلى حد كبير”، معتبرا أن الولايات المتحدة متقدمة “بفارق كبير” عن المدة الزمنية التي قد رتها مبدئيا، والتي تراوحت بين 4 و5 أسابيع بشأن الحرب على إيران، هذا البلد الذي لم يعد لديه، يضيف ترامب، “أسطول بحري ولا اتصالات ولا قوات جوية”.
تصريحات ترامب تلقفتها الأسواق سريعا، وانعكست على تداولات ما بعد التسوية أمس حيث تراجعت العقود الآجلة، ودفعت بالأسعار إلى حدود 80 دولارا للبرميل. ويأتي هذا التراجع بعدما أغلق خام “برنت” مرتفعا بنحو 7 في المائة عند حدود 99 دولارا، بعد أن كان قد لامس 119.50 دولار، أي بزيادة ناهزت 30 في المائة على خلفية التصعيد العسكري في الشرق الأوسط.
ويأتي هذا التحول اللافت أيضا مدعوما بتأكيد وزراء مالية الدول السبع (الولايات المتحدة الأمريكية، واليابان، وألمانيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وإيطاليا، وكندا) في بيان مشترك أمس، استعدادهم لمعالجة تداعيات الحرب مع إيران واتخاذ الإجراءات اللازمة لدعم إمدادات الطاقة العالمية، ومنها مثل الإفراج عن مخزونات النفط الاستراتيجية.
وبالإضافة إلى ذلك، لا يستبعد المحللون أن تلجأ واشنطن في سياق جهودها لمنع تصلب سلاسل الإمداد، إلى توظيف “المرونة الجيوسياسية” الرامية إلى دعم استقرار المعروض العالمي، وذلك عبر منح استثناءات مؤقتة للمصافي الهندية للاستمرار في شراء الخام الروسي.
وقد استبق الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هذا الخطوة المحتملة من واشنطن بتأكيد استعداد بلاده للعمل مع الأوروبيين والشركاء في مجال إمدادات النفط والغاز. وأوضح في تصريحات صحفية أمس أن روسيا “كانت دائما موردا موثوقا لموارد الطاقة، وستواصل بلا شك توريد النفط والغاز إلى الدول التي تعد شركاء موثوقين بالنسبة لها. وأقصد بذلك ليس فقط شركاءنا في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، بل أيضا دول أوروبا الشرقية مثل سلوفاكيا وهنغاريا”.
وفيما تبدو التطمينات السياسية قادرة على تهدئة الأسواق وفاعلة في إدارة التوقعات أثناء الأزمات، إلا أنها قد تصطدم بصلابة الوقائع الميدانية لاسيما أمام رفض واشنطن الصريح للتحولات السياسية في طهران، وإصرار الأخيرة على شل إمدادات الطاقة في المنطقة، مما يعزز التوقعات بأن تظل أسعار الطاقة متأرجحة في انتظار تحقق الوعود السياسية وضمان انسيابية تدفق الإمدادات.

ح/م

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.