فرنسا ـ عبد العلي جدوبي : عاد الجدل من جديد هذه الأيام داخل أروقة المؤسسات الأوروبية إثر تصاعد الأعمال العدائية التي تقوم بها جماعات متطرفة تقيم بعدد من الدول الأوروبية والتي تصف نفسها ب : “الإسلامية ” والتي تدعو إلى الجهاد في ” بلاد النصارى والكفار” !!
ويبدو أن تلك الجماعات تسوق لأنفسها مكانتها الإجتماعية الخاصة بها داخل المجتمع الاوروبي ، ويلبس (بضم الياء ) افرادها غلوهم حلة الانتصار للإسلام والدفاع عنه من خلال ممارسات مشينة كتحد صارخ لكل الاعراف والقوانين الجاري بها العمل ، بل وتقوم على التحريض والكراهية على الأنظمة الأوروبية التي توفر لها الأمان والكرامة الانسانية وحقها في العلاج ، وتوفر التعليم لأبنائها والسكن ، وتضمن لها حرية المعتقد ، وهي الانظمة التي تكفل الاعتراف في دساترها بالإسلام ، وتشجع على تدريسه في مدارسها للجاليات المسلمة وتشرف على الرعاية الطبية من طرف طبيبات للنساء المسلمات في المستشفيات ودور المسنين والمؤسسات الحكومية ، وترخص لهم ببناء المساجد وتخصص لهم المذابح الخاصة بعيد الاضحى ،وتمكن العمال من التغيب عن العمل في أول أيام الأعياد الدينية ، وتقديم المساعدات المالية للاسر ذوي الدخل المحدود الى غير ذلك من الامتيازات الاخرى العديدة ..
وبالرغم من هذا كله تصر تلك الجماعات المتطرفة معاداة الأنظمة الأوروبية وتتمادى في ترويج خطابات للتطرف والكراهية بمناسبة أو بدونها ، بل وتدعو الى القيام بالجهاد للقضاء على المشركين من الكفار والنصارى ! والحقيقة أن هؤلاء افراد وجماعات يعانون من صراعات داخلية وهوية مزدوجة ، يعيشون في بيئه تمنحهم الحرية والحقوق الكاملة ، لكن افكارهم متحجرة ما تزال مرتبطة بمعتقدات متشددة تعود الى العصور البائدة ،وتقتني من اوديولوجيات ترى في الغرب عدوا يجب التصدي له في عقد داره !! هؤلاء هم في حقيقه أمرهم انتهازيون يستفيدون من كل شيء لكنهم لا يشعرون بالانتماء والامتنان ، إنهم يرون العالم بمنظور أبيض / اسود ، نحن او لا أحد .. وينطبق عليهم المثل القائل يأكلون الغلة ويسبون الملة .
هذه المعضلات تدفع ثمنها الجاليات المسلمة المقيمة بأوروبا وخصوصا الجالية المغربية والتي تحترم كل القوانين وتمارس شعائرها الدينية وفق تعاليم ديننا الحنيف ، ويشهد لها الجميع بالإنضباط وبسلوكها المثالي المتزن بالرغم من أنها تتعرض بين الفينة والاخرى لمضايقات من طرف أحزاب اليمين المتطرف ، أو من طرف افراد يعتبرون أن كل مسلم هو “إرهابي” ينتمي الى تلك الجماعات المتطرفة ، ويضعون الجميع في سلة واحدة. علما أن حكومات الدول الأوروبية وضعت يدها على موضع الداء الذي يكاد ينخر المجتمع الاوروبي ، وعملت اجهزتها الامنية على محاصرة هذا التمدد الأصولي الجهادي الخارج عن القانون .
عدد من القادة السياسيين الاوروبيين يقولون أنهم ليسوا ضد الاسلام كديانة ، بل يرفضون طريقه تصرف المتأسلمين من الجاليات المقيمة بأوروبا ، فالمشكلة مطروحة فقط مع المتطرفين المتشددين الذي يريدون فرض نمط حياتهم على الجميع وبالقوة في كثير من الاحيان ، فالعداء ضد الاسلام والمسلمين في الغرب هو ظاهره أسست لها خطابات التنظيمات المتطرفة يدعمها خطاب اليمين المتطرف في الغرب ، ومع احتدام الصراع بين الخطابين يتحول العداء الى تطرف عنيف يكون ضحيته المسلمون الملتزمون بالتعاليم السمحة للاسلام والذين يطبقون القوانين الأوروبية ويحترمون خصوصات الغير ، لكن الصورة تغيرت خلال السنوات الأخيرة على وجه الخصوص عندما أصبحت ” صلاة الشوارع ” مشكلة أوروبية تعم العديد من العواصم والتي وصفتها العديد من التيارات السياسية ب : “الغزو” “وبالاحتلال” للشوارع والساحات العامة ، واعتبرت هذه الظاهرة في نظرهم تحديا للقيم العلمانية وللهوية الأوروبية، واستعراضا لقوة التدين ، ورمزا للتطرف ومحاولة ل : “أسلمة المدن الأوروبية ” هذا الملف يتحول إلى مادة دسمة لدى اليمين المتطرف خاصه في كل من فرنسا وهولندا وبلجيكا والمانيا .. ومعلوم أن فرنسا قد اصدرت العام 2011 قانونا يمنع إقامة الصلاة بالشوارع العامة ، بالرغم هذا الحظر فإن عددا من الشوارع في المدن الفرنسية تشهد اكتضاضا بالمصلين ، الذين يفضلون الصلاة خارج المساجد الفسيحة ، وهذا ما يزيد في الاحتقان ويعطي صورة غير لائقة عن الإسلام والمسلمين ، مما يعني تنامي التصادم بين ما هو شأن إسلامي وما هو قرار قانوني ..
وعند الحديث عن العلاقه بين الاسلام والحضارة الغربية المعاصرة ، فبامكاننا أن نستحضر العلاقة التي حددها القران الكريم ورسمت معالمها السنة النبوية للتعامل مع أهل الكتاب باختلاف تواجدهم الجغرافي ، ولقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ الذي يقوم على التسامح والاحترام المتبادل في اطار المواطنة والوفاء بالعهد وبالمواتيق امتثالا لقوله تعالى( ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) ( يونس٩٩)
وتنضاف إلى هذه الأمور ظهور العديد من الأشخاص فرادى وجماعات من مختلف العواصم الأوروبية وهم يصلون يوميا بمحاداة شارات المرور ، وبممر الراجلين ، ووسط الساحات ، وبين السيارات المركونة هنا وهناك ، وعند مدخل المتاجر الكبرى ، ووسط مترو الانفاق ! ولا احد يعرف الرسالة التي يودون ابلاغها لعموم الناس في أوروبا؟ وكم من مرة نشرت الجمعيات الإسلامية بلاغات تنبه اولئك الاشخاص أن ما يقومون به هو إساءة لهم وللمسلمين ولصورة الاسلام ، لكن الامور ظلت تسير على ما هي عليه. !!
هذا وتشير أرقام استطلاع الرأي لمعهد (ايفون) أن أعمال التميز والاعتداءات ضد جماعات المصلين بالشوارع في فرنسا تحديدا تتزايد كل يوم مقارنة بمعتنقي الديانات الاخرى وأن نساء البرقع والعباءة والحجاب اكثر عرضة للاعتداءات من الرجال أصحاب اللباس الافغاني ب 75% وقد أعيد طرح إشكالية المواجهة بين الاسلام والغرب ، إذ أن بعض المفكرين الغربيين المتطرفين روجوا لفكرة انتهاء الخطر ” الاحمر الشيوعي” _ في إشارة الى الإتحاد السوفياتي _ وبروز خطر “الاخطر الإسلامي ” الدواعشي !! وهو خطاب إعلامي معادي للاسلام ككل ، متهافت يغذي المخاوف ويحولها الى كراهية المسلمين في المجتمعات الغربية .