افتتح مجلس المستشارين يومه الجمعة 10 ابريل 2026 ، الدورة الثانية من السنة الخامسة من الولاية التشريعية الحالية 2025 / 2026، في سياق مؤسساتي يتجدد فيه الالتزام بمواصلة الاضطلاع بالاختصاصات الدستورية الكاملة للمجلس، وتعزيز مساهمته في تأطير النقاش العمومي الوطني، انطلاقا من الوظائف البرلمانية التي يضطلع بها أعضاؤه في تمثيل الأمة.
وأكد رئيس مجلس المستشارين محمد ولد الرشيد، في كلمة افتتاحية، على أن هذه الدورة تنعقد على وقع استحضار حصيلة العمل المنجز خلال المحطات السابقة، وما طبعها من مواكبة للأوراش الإصلاحية الكبرى التي تشهدها المملكة تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس، من خلال الانخراط في تجويد النصوص القانونية، وتعزيز آليات مراقبة العمل الحكومي، وتطوير مقاربات تقييم السياسات العمومية، إلى جانب ترسيخ حضور فاعل في الواجهات البرلمانية الإقليمية والدولية.
وأوضح أن أهمية هذه الدورة تتضاعف بالنظر إلى انعقادها في ظرفية دولية وإقليمية دقيقة، تتسم بتصاعد مظاهر عدم الاستقرار واللايقين، وتسارع التحولات الجيوسياسية والاقتصادية، بما يفرض على المؤسسات الوطنية مواكبة هذه التحولات واستيعاب تداعياتها. كما أشار إلى أن ما تعرفه بعض المناطق، خاصة الشرق الأوسط، من توترات متصاعدة، وما نتج عنها من اختلالات في سلاسل الإمداد العالمية، لا سيما في مجال الطاقة، بات يشكل عاملا مؤثرا في الاقتصاد العالمي، بما ينعكس على التوازنات المالية والقدرة الشرائية للمواطنين.
وعلى الصعيد الوطني، أبرز محمد ولد الرشيد بان هذه الدورة تكتسي طابعا خاصا، باعتبارها تسبق استحقاقات انتخابية تشريعية مهمة، وتندرج في سياق استكمال الترسانة القانونية المؤطرة لها، وتقوية الأدوار المنوطة بالجهات عبر برامج الجيل الجديد للتنمية الترابية المندمجة، بما يعزز البناء الديمقراطي ويكرس المسار الإصلاحي للمملكة. وأضاف أن هذه المحطة ستكون مناسبة لعرض حصيلة العمل الحكومي، وفي الآن نفسه لفتح أفق جديد أمام دينامية العمل البرلماني، عبر تكثيف الجهد التشريعي والرقابي ومواصلة استكمال الأوراش المفتوحة، بما يعزز التكامل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ويرتقي بجودة الأداء العمومي.
وفي الجانب التشريعي، سجل رئيس المجلس أن الفترة الأخيرة عرفت مناقشة عدد من النصوص ذات الأهمية، خاصة تلك المرتبطة بمنظومة العدالة، من بينها مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم دستورية قانون، ومشروع القانون المنظم لمهنة العدول، مع التفاعل مع النقاش المجتمعي المواكب لهما، والانفتاح على مختلف الآراء ومقترحات الفاعلين المعنيين. كما أعلن الاستعداد لإيلاء العناية اللازمة لمشاريع قوانين أخرى مرتقبة توجد في مراحل متقدمة من مساطر المصادقة أو التنسيق.
وفي هذا السياق، جرى التأكيد على ضرورة ألا يكون التركيز على مشاريع القوانين على حساب المبادرة التشريعية البرلمانية، باعتبار مقترحات القوانين آلية دستورية أساسية لإغناء العمل التشريعي وتعزيز التوازن المؤسساتي، مع الالتزام بتسريع وتيرة البت في المقترحات المعروضة على الدراسة، سواء المقدمة من أعضاء المجلس أو المحالة عليه من مجلس النواب، وفق الإجراءات والضوابط المعمول بها. كما شدد المجلس على أهمية مراجعة نظامه الداخلي، وأعلن عن تكثيف الجهود من أجل بلورة مسودة محينة يرتقب عرضها على لجنة النظام الداخلي في أفق إخراجها قبل نهاية الدورة، مع مراعاة متطلبات التنسيق القبلي مع مجلس النواب والإحالة القبلية على المحكمة الدستورية.
وفيما يتعلق بالتحول الرقمي والحفاظ على الذاكرة البرلمانية، أعلن المجلس أنه تمكن من رقمنة أرشيف غني لمحاضر الجلسات العامة يمتد منذ أول جلسة عقدها سنة 1997، على أن يصبح متاحا عبر الموقع الإلكتروني للمجلس لفائدة المهتمين بذاكرة العمل البرلماني.
وعلى مستوى مراقبة العمل الحكومي، واصل أعضاء المجلس استعمال الآليات الرقابية المتاحة خلال الفترة الفاصلة بين الدورتين، حيث توصلت الرئاسة بـ215 سؤالا كتابيا و451 سؤالا شفويا، فيما توصل المجلس من الحكومة بـ143 جوابا كتابيا. كما توصل بأجوبة عدد من القطاعات الحكومية بخصوص التدابير المتخذة لتنفيذ التزامات سبق التعهد بها خلال جلسات الأسئلة الشفهية، إلى جانب جرد 56 تعهدا حكوميا سيتم تعميمها على مكونات المجلس وإدراجها ضمن المنصة الإلكترونية الخاصة بتتبع التزامات أعضاء الحكومة، مع إحالتها إلى الحكومة طبقا للمادة 298 من النظام الداخلي.
وفي هذا الإطار، أُعلن الرئيس عن التنسيق مع مجلس النواب لعقد الجلسة الدستورية المخصصة لمناقشة عرض الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات حول أعمال المحاكم المالية برسم سنة 2024-2025، باعتبارها محطة دستورية مهمة لتقييم نجاعة أداء الحكومة والمؤسسات العمومية في تنزيل السياسات وتدبير الموارد العمومية. كما واصلت المجموعة الموضوعاتية المكلفة بتقييم السياسات العمومية في مجال مواجهة آثار التغيرات المناخية تنفيذ برنامج عملها، في انتظار استكمال تقريرها قبل نهاية الدورة.
وبخصوص العلاقات مع المؤسسات الدستورية، أشار رئيس المجلس، بانه تلقى خلال الفترة الماضية عددا من التقارير السنوية والموضوعاتية ذات الصلة بقضايا حقوقية واقتصادية واجتماعية، تم تعميم بعضها على مكونات المجلس، في انتظار استكمال تعميم باقي التقارير لما تحمله من فائدة في دعم أداء الأعضاء لمهامهم الدستورية.
وفي الجانب المتعلق بالدبلوماسية البرلمانية، ـ يقول السيد الرئيس ـ واصل مجلس المستشارين تكريس حضوره على الساحة البرلمانية الإقليمية والدولية من خلال توطيد التعاون البرلماني الثنائي ومتعدد الأطراف، وتوسيع مجالات الانخراط في الفضاءات البرلمانية الجيوسياسية، بما ينسجم مع ثوابت الدبلوماسية الوطنية ويخدم المصالح العليا للمملكة، وعلى رأسها القضية الوطنية. وشهدت هذه الفترة زيارات نوعية لعدد من المسؤولين البرلمانيين، من بينهم رئيس مجلس الشيوخ البوروندي، ورئيس البرلمان الأنديني، ورئيس برلمان أمريكا اللاتينية والكراييب، ورئيس برلمان السوق المشتركة لأمريكا الجنوبية، وهي زيارات توج بعضها بتوقيع اتفاقيات تعاون استراتيجية، فضلا عن تسجيل مواقف داعمة للوحدة الترابية للمملكة.
كما شارك المجلس في عدد من المحافل البرلمانية الإقليمية والدولية، من بينها اجتماعات الاتحاد البرلماني العربي، والجمعية العامة السنوية لبرلمان أمريكا اللاتينية والكراييب، والدورة السبعون للجنة وضع المرأة التابعة للأمم المتحدة، والدورة الشتوية للجمعية البرلمانية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، إلى جانب لقاءات ثنائية مع مسؤولين برلمانيين ودبلوماسيين من عدة دول.
وفي السياق ذاته، احتضن مجلس المستشارين أشغال مؤتمر مجالس الشيوخ في إفريقيا، الذي شكل محطة برلمانية إفريقية بارزة بمشاركة 15 رئيسة ورئيسا لمجالس الشيوخ واتحادات برلمانية إقليمية، عكست إرادة جماعية لتعزيز التنسيق والتكامل بين المجالس العليا وتطوير أدوارها في مواكبة التحولات السياسية والاقتصادية التي تعرفها القارة. وقد أسفر المؤتمر عن مخرجات مهمة، أبرزها التأكيد على ترسيخ التشاور المنتظم، وتبادل الخبرات وأفضل الممارسات، وتعزيز الدبلوماسية البرلمانية متعددة الأطراف لخدمة قضايا التنمية والاستقرار في إفريقيا.
وخلال هذه المناسبة، جرى التأكيد على أن الدينامية التي يعرفها التعاون البرلماني الإفريقي تستند إلى الرؤية الملكية القائمة على تعزيز التعاون جنوب-جنوب وترسيخ التضامن الإفريقي، مع إبراز أن المبادرات الملكية شكلت رافعة أساسية لدعم التنمية المشتركة وإطلاق مشاريع مهيكلة بالقارة، بما يعزز الاستقرار والاندماج الإقليمي. كما توجت أشغال المؤتمر بانتخاب رئيس مجلس المستشارين رئيسا للجمعية، في تجسيد لثقة الدول الأعضاء في الدور الريادي للمملكة المغربية ومكانتها في دعم العمل البرلماني الإفريقي المشترك.
وعلى صعيد العدالة الاجتماعية والمجالية، أشار السيد الرئيس الى انخراط المجلس في البناء التشاركي للنموذج المغربي، من خلال تنظيم المنتدى البرلماني الدولي العاشر للعدالة الاجتماعية تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، يوم 9 فبراير الماضي، باعتباره فضاء رفيع المستوى لتبادل الرؤى وتعميق النقاش حول سبل إرساء سياسات عمومية أكثر إنصافا وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود في عالم سريع التحول. وأفرز المنتدى، بحسب المجلس، توصيات نوعية دعت إلى تعزيز أدوار البرلمانات في تقييم السياسات العمومية، وتقوية آليات الالتقائية والنجاعة، وترسيخ مقاربات استباقية قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
وأكدت في الكلمة الافتتاحية ذاتها بأن الرهان خلال هذه الدورة لا يقتصر على استكمال المسار التشريعي أو الرقابي، بل يتجاوز ذلك إلى الارتقاء بالعمل البرلماني ليكون فعلا استراتيجيا منتجا للأثر، وقادرا على تحقيق التوازن بين متطلبات الشرعية الديمقراطية وضرورات النجاعة المؤسساتية. ودعا المجلس، في ختام كلمته، جميع الفاعلين، أغلبية ومعارضة، حكومة وبرلمانا، إلى مضاعفة الجهود وتغليب روح المسؤولية والانخراط الواعي في إنجاح هذه المرحلة بما يعزز الثقة في المؤسسات ويخدم المصالح العليا للوطن.
وفيما يلي النص الكامل للكلمة الافتتاحية:

